730

وألزم به بعضهم من أطلق من الحنفية القائلين أن الصحابي إذا روى عن النبي صلى الله عليه وسلم حديثا وصح عنه ثم صح عنه العمل بخلافه فإن العمل بما روى لا بما عمل؛ لأن عائشة صح عنها أن لا اعتبار بلبن الفحل، ذكره مالك في الموطأ وسعيد بن منصور في السنن، وأبو عبيدة في كتاب النكاح بإسناد صحيح؛ وأخذ الجمهور ومنهم الحنفية بخلاف ذلك وعملوا بروايتها في قصة أبي القعيس وحرموا بلبن الفحل، وكان يلزمهم على قاعدتهم أن يتبعوا عمل عائشة ويعرضوا عن روايتها.

ولوكان روى هذا الحكم غير عائشة لكان لهم معذرة؛ لكنه لم يروه غيرها وهو إلزام قوي؛ انتهى.

أقول: ونظير هذا ما ذكره صاحب الضياء رحمه الله عن أبي حنيفة فيما روي من طريق أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "إذا قطع السارق فلا ضمان عليه"؛ وأفتى أبو هريرة فيما روي عنه أنه أوجب على السارق الضمان إذا قطع؛ فقال أبوحنيفة: أقبل خبره عن النبي صلى الله عليه وسلم بزوال الضمان، وأرد فتيا أبي هريرة بوجوب الضمان؛ ثم ذكر أيضا عن أبي حنيفة عكس هذا، حيث قال: وروى أيضا أبو هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "إذا ولغ الكلب في الإناء فليغسل سبع مرات أولاهن بالتراب"؛ وأفتى أبو هريرة بغسل الإناء من ولوغ الكلب ثلاث مرات.

قال أبو حنيفة: أقبل فتياه، وأجعله دليلا على حفظه نسخ الخبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ لأنه لا يكون أن يفتي بغير ما حفظ عن النبي صلى الله عليه وسلم ما هو سنة عنه صلى الله عليه وسلم.

<3/83>قال الشافعي: أقبل خبره في غسل الإناء، ولا أقبل فتياه؛ لما يجوز أن يكون قد نسي الخبر، لأنا قد تعبدنا بتصديق الراوي إذا كان عدلا ولم نتعبد أن تنسخ السنن المروية بقول من يجوز عليه الغلط ويتعمد عليه الكذب.

فانظروا رحمكم الله إلى هاتين الأعجوبتين من قول الإمامين ، وتفكروا في ذلك تعلموا فضل الله عليكم، انتهى.

Bogga 62