Futuhaat Makkiyya
الفتوحات المكية في معرفة الاسرار الملكية
Daabacaha
دار إحياء التراث العربي
Daabacaad
الأولى
Sanadka Daabacaadda
1418هـ- 1998م
Goobta Daabacaadda
لبنان
خذني إلى ما خرجت منه . . . فقال أهلا بكم وسهلا اعلم وفقك الله تعالى أن الله سبحانه يغار لعبده المنكسر الفقير أشد مما يغار لنفسه فإنه طلب من عباده أن يغاروا لله إذا انتهكت حرماته غير أن غيرتك لله تعود محمدتها عليك وغيرته عز وجل لك تعود محمدتها أيضا عليك لا عليه فهو سبحانه وتعالى يثني عليك بغيرته لك ويثني عليك بغيرتك له فأنت المحمود على كل حال وبكل وجد وهذا الفصل أرفع مقام يكون للعبد ليس وراءه مقام أصلا فينبغي للعبد أن يغار لنفسه في هذا المقام ولا بد فإن الله يغار له فإذا حضر ملك مطاع نافذ الأمر وقد جاءك مع عظم مرتبته زائر أو جاءك فقير ضعيف في ذلك الوقت زائرا أيضا فليكن قبولك على الفقير وشغلك به إلى أن يفرغ من شأنه الذي جاء إليه فإن تجلي الحق عند ذلك الفقير أعلى وأجل من تجليه في صورة ذلك الملك فإنك تعاين الحق في الملك المطاع تجليا في غير موطنه اللائق به على غير وجه التنزيه الذي ينبغي له وأنى للعبد برتبة السيادة فإذا ظهر فيها وبها فقد أخل بها وأشكل الأمر على الأجانب فما عرفوا السيد من العبد إذا رأوه على صورته في مرتبته ولذلك قال تعالى واصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه ولا تعد عيناك عنهم تريد زينة الحياة الدنيا ولا تطع من أغفلنا قلبه عن ذكرنا واتبع هواه وكان أمره فرطا وقل الحق من ربكم فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر أي لا تأخذكم في الله لومة لائم وكان سبب هذه الآية أن زعماء الكفار من المشركين كالأقرع بن حابس وأمثاله قالوا ما يمنعنا من مجالسة محمد إلا مجالسته لهؤلاء الأعبد يريدون بلالا وخباب بن الأرت وغيرهما فكبر عليهم أن يجمعهم والأعبد مجلس واحد وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم حريصا على إيمان مثل هؤلاء فأمر أولئك الأعبد إذا رأوه مع هؤلاء الزعماء لا يقربوه إلى أن يفرغ من شأنهم أو إذا أقبل الزعماء والأعبد عنده أن يخلو لهم المجلس فأنزل الله هذه الآية غيرة لمقام العبودية والفقر أن يستهضم بصفة عز وتأله ظهر في غير محله فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد ذلك إذا جالس هؤلاء الأعبد وأمثالهم لا يقوم حتى يكونوا هم الذين يقومون من عنده ولو أطالوا الجلوس وكان يقول صلى الله عليه وسلم إن الله أمرني أن أحبس نفسي معهم فكان إذا أطالوا الجلوس معه يشير إليهم بعض الصحابة مثل أبي بكر وغيره أن يقوموا حتى يتسرح رسول الله صلى الله عليه وسلم لبعض شؤونه فهذا من غيرة الله لعبده الفقير المنكسر وهو من أعظم دليل على شرف العبودة والإقامة عليها وهو المقام الذي ندعو له الناس فإن جميع النفوس يكبر عندهم رب الجاه ورب المال لأن العزة والغنى لله تعالى فحيثما تجلت هذه الصفة تواضع الناس وافتقروا إليها ولا يفرقون بين ما هو عز وغنى ذاتي وبين ما هو منهما عرضي إلا بمجرد مشاهدة هذه الصفة ولهذا يعظم في عيون الناس من استغنى عنهم وزهد فيما في أيديهم فترى الملوك على ما هم عليه من العزة والسلطان كالعبيد بين يدي الزهاد وذلك لغناهم بالله وعدم افتقارهم إليهم في عزهم وما في أيديهم من عرض الدنيا فإذا التمس الفقير من الغني بالمال شيئا من عز أو مال سقط من عينه بقدر ذلك مع كونه يبادر لقضاء حاجته حتى لو وزنت مرتبته في قلب الملك قبل طلب تلك الحاجة ووزنتها بعد طلب الحاجة نقصت عنها بقدر ما طلب فصفة الحق تعالى حيثما ظهرت محبوبة مطلوبة عند الناس الذين لا يفرقون بين ظهورها عند من يستحقها ولو علم هذا الجاهل أن أفقر الناس إلى المال أكثرهم مالا وذلك أن صاحب الفقر المدقع محتاج بالضرورة إلى ما يسد به خلته فهو فقر ذاتي والغني بالمال مع كثر ماله بحيث لو قسمه على عمره وعمر بنيه وحفدته لكفاهم ومع هذا ترك أهله وولده ويسافر بماله ويخاطر به في البحار والأعداء وقطع المفازات إلى البلاد القاصية شرقا وغربا في اقتناء درهم زائد على ما عنده لشدة فقره إليه وربما هلك في طلب هذه الزيادة وغرق ماله أو أخذ وربما استؤسر في سفره أو قتل ومع هذه المعضلات لا يترك سفرا في طلب هذه الزيادة فلولا جهله وشدة فقره ما خاطر بالأنفس في طلب الأخس فالفقير الزاهد يرى أن هذا الغني أفقر منه بكثير وهو في فقره مذموم وإن هذا الزاهد لولا غناه بربه عن هذه الأعراض لكان أشد حرصا في طلبها من التجار والملوك ولنا في هذا المعنى أبيات منها : بالمال ينقاد كل صعب . . . من عالم الأرض والسماء
يحسبه عالم حجابا . . . لم يعرفوا لذة العطاء
لولا الذي في النفوس منه . . . لم يجب الله في دعاء
لا تحسب المال ما تراه . . . من عسجد مشرق الراء
بل هو ما كنت يا بنيي . . . به غنيا عن السواء
فكن برب العلا غنيا . . . وعامل الحق بالوفاء
ولنا فيه أيضا من قصيدة :
المال يصلح كل شيء فاسد . . . وبه يزول عن الجواد عثارة
Bogga 21