Fataawa Qaadi Khan
فتاوى قاضيخان
<553> (فصل في تسليم الشفعة والحيلة في إبطالها وإسقاطها ) رجل اشترى دارا بمائة دينار وقال للشفيع اشتريت هذه الدار بمائة دينار فسلم لي نصف وأدفع نصفها إليك فقال الشفيع نعم إن قال فعلت ذلك يكون تسليما للشفعة. وذكر هذه المسئلة في كتاب الشفعة وجعلها على ثلاثة أوجه. أما أن يسلم الشفعة بالدراهم أ, ببعض منها بعينها أو ببعضها بغير عينها أو قال سلمت لك نصف الشفعة بمائة درهم بطلت شفعته في الكل. وإن قال سلمت لك الشفعة في نصف الدار فيه روايتان في رواية تبطل الشفعة في الكل وفي رواية لا تبطل. وذكر في الجامع ما يدل على أن تسليم الشفعة في البعض لا يبطل شفعته في الكل وإن صالح الشفيع من الشفعة على دراهم بطلت شفعته ولا يجب المال. وإن صالح على البعض المعين من الدار صح الصلح ويكون للشفيع نصف الدار ويبقى النصف للمشتري. ولو أن الشفيع قال للمشتري وقد اشترى الدار لغيره بالوكالة سلمت شفعتها أو سلمت الشفعة لك أو قال ذلك للبائع والدار في يد البائع كان تسليما للشفعة. ولو قال للبائع بعدما سلم الدار إلى المشتري سلمت الشفعة لك صح استحسانا. ولو قال سلمت الشفعة بسببك أو لأجلك صح تسليمه قياسا واستحسانا فإن قال للوكيل بالشراء بعدما دفع الدار إلى الموكل سلمت لك الشفعة صح استحسانا ولو اشترى دارا بالوكالة لغيره فقال أجنبي للشفيع سلم شفعة هذه الدار للموكل فقال الشفيع سلمتها لك أو أعرضت عنها لك صح تسليمه قياسا واستحسانا. ولو قال الشفيع لأجنبي ابتداء سلمت شفعة هذه الدار لك أو قال أعرضت عنها لك لا يصح تسليمه ولا تبطل شفعته قياسا واستحسانا. ولو قال لأجنبي سلمت الشفعة للموكل أو قال وهبتها للموكل أو قال أعرضت عنها للموكل لأجلك وشفاعتك صح تسلينه للآمر وتبطل شفعته ولو صالح الأجنبي الشفيع من شفعته على دراهم معلومة كان تسليما ولا يجب المال لأنه لو صالح المشتري يمن الشفعة على مال بطلت شفعته ولا يجب المال وهو بمنزلة ما إذا صالح الكفيل <554>بالنفس الطالب على مال لا يجب المال وهل يبرأ عن الكفالة في رواية عن أبي حفص رحمه الله تعالى يبرأ ولا يبرأ وفي رواية أبي سليمان رحمه الله تعالى ولو أن أجنبيا قال للشفيع أصالحك على كذا من الدراهم على أن تسلم الشفعة ولم يفل لي فقبل الشفيع لا يجب المال على الأجنبي ولا تبطل شفعته.ولو قال الشفيع للبائع سلمت لك بيعك أو قال للمشتري سلمت لك شراءك بطلت شفعته وإن قال لأجنبي سلمت لك شراء هذه الدار لم يكن ذلك تسليما ولا تبطل شفعته. وإن قال الشفيع للمشتري سلمت هذه الدار لك أو شفعة هذه الدار لك إن كنت اشتريتها لنفسك وقد كان المشتري اشتراها لغيره لا تبطل شفعته لأنه علق التسليم بالشرط وتسليم الشفعة إسقاط يحتمل التعليق والمعلق بالشرط لا ينزل عند عدم الشرط. ولو أن الشفيع قال للمشتري سلم لي نصف الدار بالشفعة فأبى المشتري لا تبطل شفعته وهو الصحيح. وكذا لو قال الشفيع أنا شفيع هذه الدار سلم لي نصفها بالشفعة فأسلم لك النصف الباقي فأبى المشتري لا تبطل شفعته.ولو أن البائع والمشتري قالا للشفيع أبرئنا عن كل خصومة لك قبلنا ففعل وهو لا يعلم ثبوت الشفعة بطلت شفعته قضاء ولا تبطل فيما بينه وبين الله تعالى. وهو كرجل قال لغيره اجعلني في حل ففعل ولم يعلم بما له قبله في القضاء يبرأ عما له عليه ولا يبرأ فيما بينه وبين الله تعالى.ولو أن رجلا أوصى بداره لرجل فلم يعلم به الموصى له ومات الموصي وبيعت دار بجنب دار الوصية ثم قبل الموصى له الوصية فلا شفعة للموصى له في الدار الثانية لأنه لم يملك الوصية قبل القبول فلا يكون جار الدار الثانية ولو أن الموصى له مات قبل أن يعلم بالوصية ثم بيعت الدار الثانية بجنبها فادعى ورثة الموصى له الشفعة في الدار الثانية كان لهم ذلك لأن موت الموصى له قبل القبول يكون قبولا للوصية وصارت الوصية ميراثا عنه لورثته فإذا ثبت الملك للورثة تحقق لهم سبب الشفعة وهو الجوار. وأما الحيل في إبطال الشفعة ذكر الخصاف رحمه الله تعالى فيه منها ما يكون تزهيدا عن طلب الشفعة ومنها ما يكون إبطالا أما ما يكون إبطالا فمنها أن يهب البائع الدار للمشتري ويشهد على الهبة والمشتري يهب الثمن للبائع ويشهد عليها فلا تثبت الشفعة إذا لم تكن الهبة بشرط العوض إلا أن هذه الحيلة لا يملكها بعض الناس لأنها تبرع ومن الناس من لا يملك التبرع كالأب والوصي وغيرهما. ومنها أن يتصدق بالدار على إنسان ثم المشتري يتصدق بمثل الثمن على البائع وهي والهبة سواء إلا أن في الهبة للأجنبي يملك الرجوع وفي الصدقة لا يملك الرجوع. ومنها أن <555>يهب جزأ شائعا من الدار ثم يترافعان إلى القاضي الذي يرى هبة المشاع فيما يحتمل القسمة جائزة فيحكم بجواز الهبة ثم يبيع بقية الدار منه فيكون الموهوب له مقدما على الجار. ومنها أن يهب الدار بشرط العوض إلا أن هذا على الرواية التي لا تثبت الشفعة في الهبة بشرط العوض أما في الروايات الظاهرة تثبت الشفعة في الهبة بشرط العوض فإن أراد أن لا يأخذ الشفيع في ظاهر الرواية ينبغي أن يأخذ الموهوب له الدار إلا جزأ منها ويأخذ الواهب كل العوض إلا دانقا فلا تثبت الشفعة للشفيع فإن في الهبة بشرط العوض قالوا إنما يثبت الملك للموهوب له إذا قبض الكل أما إذا لم يقبض الكل لا يثبت له الملك ولا ينقطع حق الواهب وبكون للواهب أن يرجع من غير قضاء ولا رضا روي ذلك عن محمد رحمه الله تعالى نصا فيكون هذا كالبيع بشرط الخيار للبائع وثم لا تثبت الشفعة للشفيع ما بقي حق البائع. هذا إذا كان الموهوب شيئا يحتمل القسمة فإن كان لا يحتمل القسمة كالبيت الصغير والحانوت إذا وهب منها جزأ معلوما شائعا جاز عند الكل ولا يكون للجار أن يأخذ بالشفعة. ومنها أن يشتري البناء أولا في صفقة ثم يشتري العرصة بثمن غال فلا تثبت الشفعة في البناء لأنه نقلى ولا يرغب الشفيع في أخذ العرصة بثمن غال فكان تزهيدا وكذا لو وهب البناء بأصله ثم يشتري العرصة بثمن غال وكذلك في الكروم والأراضي. وفي هذه الفصول إذا أراد الشفيع أن يحلف البائع أو المشتري بالله ما فعل ذلك فرارا عن الشفعة إن أراد تحليف البائع ليس له ذلك لأن نكوله لا يكون حجة على المشتري.وإن أراد تحليف المشتري فكذلك لأنه يدعي عليه شيئا لو أقر به لا يلزمه.ومن الحيلة أن يشتري سهما معلوما بثمن غال في صفقة ثم يشتري الباقي بثمن يسير فلا يرغب الشفيع فيما باع أولا لكثرة الثمن وبدونه لا يملك أخذ الباقي لأن المشتري يصير شريكا فيكون مقدما على الجار. ومنها أن يشتري الدار بثمن غال ثم يأخذ البائع بذلك الثمن بدلا آخر فلا يرغب الشفيع أن يأخذ الدار بالثمن لكثرته ولا يكون له أن يأخذها بالبدل الثاني لأن الثاني بدل عن الثمن لا عن الدار. وذكر الخصاف رحمه الله تعالى حيلة لم يرويها عن محمد رحمه الله تعالى وهي أن يدعي إن الدار لأبن صغير له في يد هذا الرجل ثم أن المدعي يصالح الذي في بيده الدار على أن يدفع إليه مائة دينار ولا يقول أنها من مال ابنه على أن يسلم الذي في بيده الدار فيجوز ولا شفعة فيها لأن الأب لا يأخذ الدار بطريق المعاوضة فيقع الملك للابن دون الأب إلا أن هذا كذب فإن أراد إبطال الشفعة على وجه لا يكون كاذبا بأمر الأب مملوكا له أن يشتري الدار من صاحبها لأبن صغير لمولاه بالثمن الذي اتفقا عليه فيشتري المملوك شراء ثم إن المولى يدعي أن الدار لأبنه الصغير ولا يدعي الشراء فيكون صادقا إلا أن هذا لا يخلو عن نوع شبهة لأن الملك إنما يثبت للابن بالسبب فإذا ادعى الأب ملكا مطلقا كان مدعيا غير ذلك الملك إن الملك<556>المطلق أقوى من الملك بالسبب على ما عرف أن القضاء بالملك المطلق قضاء بالزوائد وفي القضاء بالملك بسبب لا يدخل الزوائد. والشهود إذا تحملوا الشهادة على الملك بسبب فإذا شهدوا بالملك المطلق كانت شهادتهم بالأصل والزيادة واختلف المشايخ رحمهم الله تعالى أن الشاهد إذا تحمل الشهادة على الملك بسبب ثم إن البائع غصب المبيع من المشتري فجاء المشتري بالشهود وأمرهم أن يشهدوا له بالملك المطلق قال بعضهم يجوز لهم أن يشهدوا بالملك المطلق وقال بعضهم لا يجوز وكذا إذا تحملوا الشهادة على الدين بسبب هل يباح لهم أن يشهدوا على الدين مطلقا هو على هذا الخلاف أيضا والخصاف رحمه الله تعالى يقول بالجواز. ومن جملة الحيل أن يقر البائع بجزء معلوم من الدار للمشتري ثم يبيع الباقي منه إلا أن هذا يكون على الاختلاف أيضا فإنهم اختلفوا أن الإنسان إذا أقر لغيره بعين هل يثبت الملك للمقر له بالإقرار قال بعضهم لا يثبت لأن الإقرار ليس من أسباب الملك ولهذا لا يصح من العبد المأذون. ولو كان الإقرار من أسباب الملك كان الإقرار تمليكا بغير عوض والعبد المأذون لا يملك ذلك. ومن الحيل أن يوكل المشتري رجلا بالشراء فيشتري الوكيل ويغيب فلا يكون الموكل خصما للشفيع إلا أن هذا على قول أبي يوسف رحمه الله تعالى يكون الموكل خصما للشفيع ليطلب منه الشفعة فإنه ذكر في المأذون إذا اشترى الرجل دارا وباع من آخر وغاب المشتري الأول ثم جاء الشفيع وأراد أن يأخذ بالبيع الأول على قول محمد رحمه الله تعالى لا يملك ذلك وعلى قول أبي يوسف رحمه الله تعالى يملك ذلك. وعلى هذا الخلاف العبد المأذون المديون إذا باعه مولاه بغير إذن الغرماء فغاب بحضر الغرماء لا خصومة لهم مع المشتري في قول محمد رحمه الله تعالى وعلى قول أبي يوسف رحمه الله تعالى للغرماء أن يخاصموا المشتري. ومن الحيلة في الشفعة أن يآجر المشتري من البائع ثوبا ليلبسه يوما إلى الليل بجزء من مائة جزء من الدار فمضى اليوم ثم يبيع بقية الدار من صاحب الثوب فلا تكون الشفعة للشفيع. أما في الجزء الأول فلان صاحب الثوب ملك الجزء بالمنفعة وأما في بقية الدار فلأن صاحب الثوب صار شريكا في الدار فكان مقدما على الجار ومنها أن يستأجر صاحب الدار الذي يريد شراء الدار بعشر الدار على أن يسقيه فإذا سقاه في ذلك المجلس أو في غيره يملك عشر الدار فلا يكون للشفيع حق الشفعة وهو أولى من الجار جعل الأجرة هاهنا بمنزلة المهر. وفي المبسوط جعل الأجرة بمنزلة المبيع فإنه قال لو كانت الأجرة عبدا فباعه قبل القبض لا يجوز. ولو استحق العبد الذي هو أجر الدار بطل العقد. والخصاف رحمه الله تعالى جعل الأجر بمنزلة المهر. ومن الحيلة أنه إذا أراد أن يبيع الدار بعشرة آلاف درهم يبيعها بعشرين ألف ثم يقبض تسعة آلاف وخمسمائة ويقبض بالباقي عشرة دنانير أو أقل أو أكثر. ولو أراد <557>الشفيع أن يأخذها يأخذها بعشرين ألفا فلا يرغب في الشفعة. ولو استحقت الدار على المشتري لا يرجع المشتري بعشرين ألفا وإنما يرجع بما أعطاه لأنه إذا استحقت الدار يظهر أنه لم يكن عبه ثمن الدار فيبطل الصرف كما لو باع الدنانير بالدراهم التي للمشتري على البائع ثم تصادقا إنه لم يكن له عليه دين فإنه يبطل الصرف. ومن حيلة إبطال الشفعة أن يقول المشتري للشفيع أني اشتريت الدار من فلان بكذا فأبيعها منك بكذا فاشتر أو يقول زدني في الثمن كذا وخذ أو يقول عاوضها لي بدار أخرى أو يقول أني أوليكها فإن أحببت أن أوليكها بالثمن الذي اشتريتها وليتكها فقال الشفيع فولنيها فإنه تبطل الشفعة. وكذا لو بعث المشتري للشفيع رجلا يقول للشفيع ذلك فقال الرجل المبعوث للشفيع أن فلانا اشترى هذه الدار بكذا وهو يقول لك إن أحببت أن أوليكها بما اشتريتها به وليتكها وقال الشفيع نعم وليتها فإنه تبطل شفعته. ولو بعث المشتري إلى الشفيع رجلا فقال للشفيع قد كنت اشتريت من فلان معني البائع هذه الدار قبل شراء هذا الرجل فقال الشفيع نعم بطلت الشفعة لأن الشفيع أقر أن شراء هذا المشتري لم يصح فلم تثبت به الشفعة. وكذا لو قال ذلك الرجل للشفيع هذه الدار لك ولم يكن لفلان البائع فقال الشفيع نعم بطلت شفعته لأنه لما ادعى الملك لنفسه فقد أقر بأنه لا شفعة له. ولو قال المشتري للشفيع إني اشتريت هذه الدار بمائة دينار فإن أحببت أن أحطك من ثمنها عشرة دنانير فقال نعم بطلت شفعته. قالوا إنما تبطل شفعته في هذه الصورة إذا قال أحط عنك من ثمنها عشرة دنانير وأبيعها منك بتسعين دينار وأما بدون هذه الزيادة لا تبطل شفعته.ولو اشترى دارا وطلب الشفيع الشفعة فصالحه المشتري من ذلك على بيت معين من الدار يدفعه إليه بحصته من الثمن ليس بمعلوم فإن أراد أن يسلم البيت إلى الشفيع ويبقي ما بقي من الدار للمشتري يشتري رجل أجنبي هذا البيت للشفيع بأمره ثم إن الشفيع يسلم الشفعة فيما بقي من الدار فيحصل الغرض لكل واحد منهما يسلم البيت للشفيع وبقية الدار للمشتري. إذا مات الشفيع بعدما قضى القاضي له بالشفعة قبل أن يقبض الدار وقبل أن ينفذ الثمن كانت الدار لورثة الشفيع لأن قضاء القاضي بالشفعة بمنزلة المبيع. ولو مات الشفيع بعدما اشترى الدار كانت ميراثا لورثته. ولو قضى القاضي بالشفعة للشفيع وطلب المشتري من الشفيع أن يرد الدار على المشتري بزيادة في الثمن والزيادة من جنس الثمن أو من غير جنسه تصير الدار للمشتري بالثمن الأول وتبطل الزيادة عن المشتري لأن رد الدار على المشتري يكون بمنزلة الإقالة والإقالة إنما تكون بالثمن الأول ولا تصح فيها الزيادة. وكذا لو طلب المشتري من الشفيع بعدما قضى القاضي له بالشفعة أن يرد الدار على البائع بزيادة في الثمن ففعل كانت إقالة والإقالة كما تكون بين البائع والمشتري تتحقق بين البائع والشفيع لأن الشفيع بعدما قضى القاضي له قام مقام المشتري<558>ويصير المشتري كالوكيل للشفيع فتصح إقالة الشفيع مع البائع ويكون له حق الحبس إلى أن يستوفي الثمن. ذكر محمد رحمه الله تعالى في الأصل الحيلة في إسقاط الشفعة ولم يذكر الكراهية قالوا على قول أبي يوسف رحمه الله تعالى لا يكره. وعلى قول محمد رحمه الله تعالى يكره. وهذا بمنزلة الحيلة لمنع وجوب الزكاة ومنع الاستبراء على قول أبو يوسف رحمه الله تعالى لا يكره. وقال بعض مشايخنا رحمهم الله تعالى يكره الاحتيال لإسقاط الشفعة بعد الوجوب لأنه احتيال لإبطال حق واجب وقبل الوجوب إن كان الجار فاسقا يتأذى منه لا بأس به. وقال الشيخ الإمام شمس الأئمة السرخسي رحمه الله تعالى لا بأس بالاحتيال لإبطال حق الشفعة على كل حال أما قبل وجوب الشفعة فلا شك كما لو ترك اكتساب المال لمنع وجوب الزكاة وبعد وجوب الشفعة لا يكره الاحتيال أيضا لأنه احتيال لرفع الضرر عن نفسه لا للإضرار بالغير فظاهر ما ذكرنا دليل على هذا. أبواب الكتاب ستة. الأول في إباحة القتال ومن يباح قتله. والثاني في الأمان. والثالث فيما يصير الكافر به مسلما. والرابع فيما يصير المسلم به كافرا. والخامس في أحكام أهل الردة وتصرفات الحربي. والسادس في الخراج والجزية. أما الأول فلا بأس بالقتال في الأشهر الحم وهي ذي العقدة وذي الحجة ومحرم ورجب. وترك البداءة بالقتال في الأشهر الحرم أفضل. فإن كان قوم لم تبلغهم الدعوة يدعون إلى الإسلام أولا فإن أبوا قاتلهم. وإن كانوا قوما بلغتهم الدعوة لا بأس بقتالهم قبل تجديد الدعوة والتجديد أفضل. ولا يخرج الرجل إلى الجهاد إلا بإذن والديه جميعا فإن أذن أحدهما ولم يأذن الآخر لا ينبغي له أن يخرج ولهما أن يمنعاه من الخروج إلى الجهاد إن كان في خروجه لحقتهما المشقة.وإن لم يكن له أبوان وله جدان وجدتان فإذن له الجد من قبل الأب والجدة من قبل الأم ولم يأذن الآخر إن كان له أن يخرج لأن أب الأب قائم مقام الأب عند عدم الأب وأم الأم قائمة مقام الأم عند عدم الأم فاعتبر إذنهما لا غير. وإن كان أحد الأبوين مسلما والآخر كافرا فإذن له لا مسلم بالجهاد ومنعه الكافر إن كان الكافر يمنعه لشفقة له على الولد لا يخرج إلا بإذنه. وإن كان الكافر يمنعه لأنه يقاتل أهل دينه لا بأس أن يخرج بغير إذنه وإن أراد الولد الخروج للتجارة أو الحج فكره أبواه كان له أن يخرج إلا أن يكون السفر مخوفا كركوب البحر وخوف العدو فإنه لا يخرج إلا بإذنهما وإن لم يكن السفر مخوفا لا بأس أن يخرج إن استغنيا عن خدمته وإن احتاجا إلى خدمته لا يخرج إلا بإذنهما والمرأة إذا منعت ابنها عن الجهاد فإن كان قلبها لا يحتمل ألم الفراق وتتضرر بالإطلاق كان لها أن تمنعه عن الجهاد لا إثم عليها ويعتبر أذن المرأة في خروج الزوج إلى الجهاد وغيره وكذلك من يجب عليه نفقته كالبنات والأخوات والعمات والخالات والذكور الصغار والزمنى ا لكبار <559> الذين لا حرفة لهم إلا أن يخاف عليهم الضيعة وإما الذكور الذين لا زمانة بهم فلا بأس أن يخرج وأن يدعهم وإن خاف عليهم الضيعة. وإن أراد أن مخرج إلى الجهاد وعليه دين لا ينبغي له أن يخرج قبل قضاء الدين فإن لم يكن عنده ما يقضي به الدين فإنه لا يخرج إلا بإذن الغريم. وإن كان بالمال كفيل فإن كانت الكفالة بأمر المديون فإنه لا يخرج إلا بإذن الطالب والكفيل جميعا وإن كانت الكفالة بغير إذن المديون يعتبر إذن الطالب لا غير لأنه لا حق للكفيل على المديون. وإن كان عند الرجل ودائع وأربابها غيب فإن أوصى إلى رجل إن يدفع الودائع إلى أربابها كان له أن يخرج إلى الجهاد. وإن أراد أن يخرج في طلب العلم بغير إذن والديه لم يذكر هذا في الكتاب وزعم المتأخرون أن له أن يخرج إذا لم يكن السفر مخوفا واستغنيا عن خدمته. ولا يقاتل العبد بغير إذا مولاه والمرأة بغير إذن زوجها ما لم يقع النفير عاما فإذا وقع النفير وبلغهم الخبر أن العدو جاء إلى مدينة من مدائن الإسلام كان للرجل أن يخرج بغير إذا الأبوين عند الخوف على المسلمين أو على ذراريهم أو على أموالهم. ولا بأس للغلام الذي لم يبلغ الحلم أن يقاتل عند النفير إذا أطاق القتال وإن كره أبواه. وإذا وقع النفير من قبل أهل الروم فعلى كل من يقدر على القتال إن يخرج إلى الغزو إذا ملك الزاد والراحلة ولا يجوز التخلف إلا بعذر بين. امرأة سبيت بالمشرق كان على أهل المغرب أن يستنقذوها مالم يدخلوها دار الحرب. وإذا وقع القتال بين أهل البغي وأهل العدل يجب على أهل العدل أن يقاتلوا البغاة ليرجعوا إلى أمر الله . وإن وقعت الفتنة بين فريقين باغيين يقتتلان لأجل الدنيا والملك كان على الرجل أن يلزم بيته ولا يخرج إلى أحدهما. وكذا لو وقع القتال بين محلتين للحمية والعصبية لا ينبغي لأحد أن يعاون أهل المحلتين. قوم من الصلحاء يريدون الغزو ومعهم قوم من أهل الفساد يخرجون إلى الغزو ومعهم مزامير فإن أمكن للصلحاء أن الخروج بدونهم لا يخرجون معهم وإن لم يمكن الخروج إلا معهم يخرجوا معهم وإثم الفساد على المفسدين وللصلحاء أجرهم.ولا بأس بإخراج العجائز في العساكر للقيام بالمرضى دون الخدمة فإذا أرادوا إخراج النساء للخدمة لا محالة فلا بأس بإخراج الإماء. وإذا دخل أهل الإسلام دار الحرب مغيرين لا ينبغي لهم أن يقتلوا النساء إلا إذا قاتلت المرأة وكانت ملكة وكانت ذات رأي في الحرب فتقتل. ولا يقتل الصبيان والشيخ الفاني إلا أن يكون الصبي ملكا وقد أحضروه موضع القتال وفي قتله يكون كسر الهم فيقتل. وكذلك الشيخ الفاني إذا كان له رأي. ولا يقتل المعتوه ولا الراهب في صومعته لا يخالط الناس وكذا الأعمى ومقطوع اليد والرجل ومقطوع اليمنى خاصة ويابس الشق فإن قاتل واحدا من هؤلاء فلا بأس بقتله.وإذا قاتلت المرأة فأخذها المسلمون لا بأس بقتلها وإن أمكن <560>وكذا الأعمى والمقعد والشيخ الفاني إذا حضروا وحرضوا على القتال. ومن قتل واحدا من هؤلاء فليس عليه شيء. ولهم أن يقتلوا الذي يجن ويفيق والأخرس والأصم وأقطع اليسرى وأقطع أحد الرجلين والقسيس والسياح الذي يخالط الناس والمريض.وأما الصبي والمعتوه ما داما يقاتلان أو يحرضان فلا بأس بقتلهما وبعدما صارا في أيدي المسلمين لا ينبغي لهم أن يقتلوهما وان كانا قتلا غير واحد.وعن أبي حنيفة رحمه الله تعالى أن قتل أصحاب الصوامع حسن ولا يسبى الشيخ والعجوز لأنه لا يتوهم منهما النسل. ويؤسر الأعمى والمقعد ومقطوع اليد والرجل ويابس الشق ولا يترك في دار الحرب لتوهم النسل من هؤلاء. وللمسلم أن يقتل كل ذي رحم محرم منه من المشركين في دار الحرب إلا الآباء والأجداد والجدات فإنه لا يقتلهم ما لم يقصدوا قتله فإذا قصدوا قتله كان له أن يقتلهم.وأما الأولاد والأخوة والأخوات والأعمام والأخوال والخالات والعمات وأولادهم فلا بأس للمسلم أن يبتدئهم القتل وينبغي أن يكون ألوية المسلمين بيضا والرايات سودا. ولا بأس بإدخال المصحف دار الحرب لقراءة القرآن إذا كان العسكر عظيما فإن لم يمن ينبغي أن لا يسافر به قال أبو حنيفة رحمه الله تعالى أقل السرية مائة وأقل الجيش أربعمائة وقال الحسن ابن زياد رحمه الله تعالى أقل السرية أربعمائة وأقل الجيش أربعة ألاف والحراسة بالليل عند الحاجة إليها أفضل من صلاة الليل ويكره حمل رؤوس الكفار إلى دار الإسلام. وقيل إن كان فيه إلاق الوهن والكبت لهم لا بأس به. ولا يستحب رفع الصوت في الحرب لأنه نوع من الفشل فإن كان في رفع الصوت تحريض على القتال فلا بأس ويكره إخصاء الفرس لأن في صهيله يرهب العدو. ويكره أن يلبس المسلم شيئا من السلاح فيه صورة إنسان أو طير فأما الشجر ونحو ذلك فلا بأس به.ولا يجوز رد السلاح إلى دار الحرب بعوض أو بغير عوض في قولهم.ولا يفادا الحربي بمسلم ولا بمال في قول أبي حنيفة رحمه الله تعالى. وقال أبى يوسف رحمه الله تعالى يفادى بالمسلم إذا كان خيرا للمسلمين ولا يفادا بالمال بقولهم. ولا بأس بالطبول تضرب في الحرب لاجتماع الناس لأنها ليست بله. ولا بأس بجعل الأجراس على الخيل مع التجافيف التي يقال لها بالفارسية بركستوان لأن فيه إرهاب العدو ويكره الجرس في أعناق الإبل والتي يحمل عليها الأثقال. أما الذي يقال له بالفارسية دراى فذلك لا يسمى جرسا فلا بأس به. حربي وجد فيدار الإسلام فقال أنا رسول الملك لا يصدق ويكون فيأ لجماعة المسلمين في قول أبي حنيفة رحمه الله تعالى. وقال أبو يوسف ومحمد رحمهما الله تعالى هو لمن أخذه. وإن أخرج الحربي كتابا يشبه كتاب الملك يصدق. ولا بأس بالرجل الواحد من المسلمين أن يحمل ألف من المشركين إن كان يطمع السلامة أو النكاية بهم. وإن كان لا يطمع أحدهما كره لأن فيه إهلاك النفس من غير فائدة. مسلم وقع في أيدي <561> الكفرة وقرب إلى القتل فقيل له مد عنقك فمد عنقه للقتل إن كان يخاف أنه لو لم يمد عنقه قتل أخبث من القتلة الأولى وإن كان يعلم أنه لو لم يمد عنقه لا يقتل كره له أن يمد عنقه ولو أحرق المشركون سفينة بالبحر فيها المسلمون أن صبر في السفينة حتى احترق كان في سعة وإن ألقى نفسه في البحر فغرق كان في سعة في قول أبي حنيفة رحمه الله تعالى وقال محمد رحمه الله تعالى إن صبر حتى احترق إن كان يعلم أنه لا ينجو من البحر فلا بأس به وإن كان يحسن السباحة ويطمع إن ينجو من البحر كان الواجب عليه إن يلقي نفسه في البحر في قولهم. وإذا قامر المسلم المشركين في يدار الحرب وأخذ منهم الأموال فلا بأس به وكذا لو باع منهم خمرا أو خنزيرا أو درهما بدراهم فلا بأس به ولا بأس بتعليم القرآن للكفرة. ولا بأس بأن ينبش قبورهم لطلب المال. وإذا قهر ملك أهل الحرب أهل مملكته بالرق صاروا أرقاء له وجاز شراؤهم منه. وإن قهرهم بالولاية والسلطنة لا يملكهم. ويكره للمسلم الواحد القوي أن يفر من الكافرين. وكذا لو فر المائة من المائتين في قول محمد رحمه الله تعالى ولا بأس بأن يفر الواحد من الثلاثة والمائة من ثلثمائة.ولا ينبغي للمسلمين أن يفروا إذا كانوا اثنى عشرة ألفا وإن كان العدو أكثر لقوله عليه الصلاة السلام خير الجيوش أربعة ألاف ولن يغلب اثنى عشر ألفا من قلة إذا كانت كلمتهم واحدة والحاصل أنه إذا غلب على ظنه أنه يغلب لا بأس بأن يفر. ولا بأس للواحد أن يفر إذا لم يكن معه سلاح من اثنين معهم سلاح. وذكر في السير أنه رخص الفرار من الزحف إذا كانوا لا يطيقونه. وعن أبي حنيفة رحمه الله تعالى لو انحاز إلي مصرأ وإلي بعض جيوش المسلمين لم يكن فرارا من الزحف. مسلم هرب من العدو واختبأ في موضع فأصابه العدو فسأله عن اصحابه لا ينبغي له أن يعلم موضع أصحابه وإن اكره بالقتل لأن المكره بالقتل لا يباح له قتل المسلم ولا يرخص له (فصل في معاملة المسلم المستأمن من أهل الحرب في دارهم )قوم من المسلمين جمعوا مالا ودفعوا إلى رجل ليدخل دار الحرب ويشتري به اسارى المسمين منهم فإن هذا المأمور يسأل التجار في دار الحرب فكل من أخبر أنه حر مسلم أسير في أيديهم يشتريه المأمور ولا يجاوز يمة الحر لو كان عبدا في ذلك الموضع وإنما يشتري بقدر قيمة أربعين أسيرا. فلو أراد المأمور أن يشتري أسيرا فقال له الأسير اشتريني فاشتراه المأمور بالمال المدفوع إليه يضمن المأمور ذلك المال ويرجع به على الأسير لأنه صار مقرضا إياه فيرجع عليه كمن قضى دين غيره بأمره فإنه يرجع عليه بما أمره به دون غيره وهو بخلاف الوكيل بالشراء إذا اشترى بأكثر مما أمره به فإنه يكون مشتريا لنفسه. ولو أن هذا المأمور بشراء الأسير قال لأسير بعدما قال له الأسير اشتريني بكذا أنا أشتريك بالمال المدفوع إلي حسبة. <562>فاشتراه كان مشتريا لأصحاب الأموال. حربي دخل دارنا بأمان ومعه ابنه أو ابن غيره من أهل الحرب فباع أبن نفسه لا يجوز باتفاق الروايات ويجوز بيع ولد غيره ولو أن ملك أهل الحرب أهدى إلى الخليفة ذكر في المجرد أنه يطيب للمهدى إليه أن لا يكون من محارم المهدى أو أم ولده فإنهم يعتقون وروى هشام رحمه الله تعالى أن الحربي إذا أهدى بنته إلى الإمام فهي حرة وكان لها أن ترجع إلى دار الحرب وروى الحسن عن أبي حنيفة واين سماعة عن محمد رحمهم الله تعالى أن الحربي إذا باع أباه أو ابنه في دار الحرب لا يجوز فإن أخرجه المشتري إلى دار الإسلام ملكه إن لم يكن بيننا أمان فالحاصل أن الحربي إذا باع أباه أو ابنه في دار الحرب من المسلم المستأمن في يدار الحرب يكون باطلا وهو رواية الحسن عن أبي حنيفة رحمهم الله تعالى ورواه هشام عن محمد رحمهما الله تعالى ساء كان يرى البائع جواز هذا البيع أن لا يرى في يقول عامة المشايخ منهم الشيخ الإمام أبو بكر محمد بن الفضل رحمهم الله تعالى وقال أوب الحسن الكرخي رحمه الله تعالى إن كان البائع الحربي يرى جواز هذا البيع جاز وإلا فلا وروى ابن سماعة عن أبي يوسف رحمهما الله تعالى أن الحربي إذا باع ولده في دار الحرب من حربي آخر أو من مسلم مستأمن جاز البيع عند أبي حنيفة رحمه الله تعالى ولا يجبر المشتري على الرد إذا خوصم في الرد وعند أبي يوسف رحمه الله تعالى إذا خوصم في الرد يجبر على الرد عليه وعن أبي نصر الدبوسي رحمه الله تعالى أنه إن باعه الحربي من مسلم مستأمن لا يجوز وإن باعه في دار الحرب من حربي آخر وسلمه إليه ملكه المشتري. وغيره من المشايخ قال لا يباح للمشتري أن يشتري وإن اشتراه جاز ويكون رقيقا للمشتري . وقال بعضهم إن اشتراه المسلم في دار الإسلام لا يملكه وإن اشتراه في دار الحرب أخرجه إلى دار الإسلام ملكه.والصحيح ما قلنا أنه لا يجوز بيع الحربي ولده في دار الحرب. واتفقت الروايات على أنه لا يجوز بيعه في دار الإسلام ومتى لم يجز البيع في دار الحرب على قول العامة فإن أخرجه المشتري إلى دار الإسلام اختلف المشايخ فيه قال بعضهم يملكه لأن البيع وإن بطل فمتى أخرجه جبرا ملكه بالقهر المبتدأ وفال بعضهم يكون حرا لأن البائع لا يملك التصرف فيه لا بيعا ولا هبة فلا يملك المشتري وقال بعضهم إن كان البائع يرى جواز هذا البيع لا يملكه المشتري بالإخراج إلى دار الإسلام أخرجه طائعا أو مكرها وإن كان البائع لا يرى جواز هذا البيع إن أخرجه المشتري كرها ملكه وإن أخرجه طوعا لا يملكه والصحيح أنه إن أخرجه كرها ملكه وإن جاء به وهو طائع لا يملكه سواء كان البائع يرى جواز هذا البيع أو لا يرى وإن تزوج المسلم المستأمن حربية في دار الحرب ودفع المهر إلى أبيها وفي قلبه أنه يبيعها إذا أخرجها إلى دار الأسلم ذكر في السير <563>الكبير إن خرجت طائعة فهي حرة وإن خرجت مكرهة كما يخرج الأسير فهي مرقوقة. وإن اختلفا فقالت المرأة خرجت طائعة وأنا حرة وقال الرجل أخرجتها مكرهة وهي رقيقة لي فإنه ينظر إليها إن جاء بها مربوطة كما يجاء بالأسير كان القول قول الرجل وإن كانت بخلاف ذلك كان القول قول االامرأة وتكون حرة. بلدة يدعي أهلها الإسلام يصومون ويصلون ويقرؤون القرآن ويعبدون الأوثان مع ذلك فأغار عليهم المسلمون وسبوهم فاشترى رجل منهم مسلم من تلك السبايا قالوا إن لم يكونوا مقرين بالعبودية والرق بملكهم يجوز شراء الصغار والنساء منهم ولا يجوز شراء الكبار الذكور لأنهم لما أقروا بالإسلام ثم عبدوا الأوثان كانوا مرتدين فيجوز استرقاق نسائهم وصغارهم ولا يجوز استرقاق كبارهم كما لا يجوز من أهل الردة. وإن كانوا مقرين بالعبودية بملكهم كانوا أرقاء لملكهم فيجوز سبيهم زاسترقاقهم فإذا ملكهم السابي جاز بيعهم. مسلم دخل دار الحرب بأمان فاشترى جارية مسلمة أو كتابية حل له وطؤها في قولهم وفي بعض الروايات يكره وطؤها عند أبي حنيفة رضي الله عنه وإن تزوج هذا المسلم امرأة كتابية حل له وطؤها. (فصل فيما يجوز لأمير العسكر أن يفعل في دار الحرب )إذا أهدى العدو إلى أمير العسكر شيئا فأراد الأمير أن يعوضه من الغنيمة أن كان العوض من الغنيمة أن كان العوض مثل هديتهم أو زيادة على هديتهم بقليل جاز العوض من الغنيمة وتكون الهدية لجميع العسكر. وإن بعث أمير العسكر رسولا إلى العدو فأجاز أمير العدو لرسول الأمير جائزة أخرجها الرسول كانت الجائزة للرسول خاصة لأن العدو ملكه اختيارا لا عن رهبة. ولو أن أمير العسكر استأجر للعسكر أجيرا بأكثر من أجر المثل قدر ما لا يتغابن الناس فيه فعمل الأجير وانقضت المدة كانت الزيادة على أجر المثل باطلة لأن أمير العسكر يتصرف بطريق النظر كالقاضي. ولو استأجر القاضي لليتيم أجيرا بما لا يتغابن الناس فعمل الأجير وانقضت المدة كانت الزيادة باطلة ولو أن القاضي أو أمير العسكر قال استأجرته وأنا أعلم أنه لا ينبغي لي أن أفعل كان جميع الأجر في ماله كالقاضي إن أخطأ في قضاءه كان خطوؤه على المقضى وإن تعمد الجور كان ذلك عليه. ولو أن أمير العسكر استأجر قوما مشاهرة لسوق الغنم والرماك حيثما يدور ولم يبين المكان جاز وله أن يزيده غنما وورماكا بعدد رماكهم وغنمهم قدر ما يحتمله الأجير وحده. ولو قال أمير العسكر لمسلم أو ذمي إن قتلت ذلك الفارس فلك مائة درهم فقتله لا شيء له. ولو استأجر رجلا بأن يقطع رؤوس القتلى من الكفرة بعشرة دراهم فقطع كان له الأجر عشرة دراهم لأن قتل الكافر طاعة فلا يصح الاستئجار عليه وقطع رؤوس القتلى ليس بطاعة فصح الاستئجار عليه ولو أ، أمير العسكر استأجر مسلما أو ذميا ليقتل أسيرا كافرا في أيديهم لا يجب الأجر لما قلنا. رجلان بينهما فرسان أراد أحدهما المهايأة وأبى الأخر لا يجبر <564>الأبي على الممهايأة في الركوب للقتال في قولهم وفي الركوب لغير القتال لا يجبر الآبي على التهايؤ قي قول أبي حنيفة رحمه الله تعالى ولا يستحق واحد منهما سهم فارس (فصل في الأمان ) إذا غزا المسلمون دار الحرب اختلفوا أنهم يدعون إلى الإسلام أو يقاتلونهم من غير دعوة قال أبو حنيفة رحمه الله تعالى الدعوة أفضل فإن ترك الأمير الدعوة وقاتلهم وأغار عليهم وسبى نساءهم وصبيانهم وأحرق حصونهم جاز وإن ظفر بهم وأخذ دوابهم ولم يقدر على إخراجها كان له أن يقتل دوابهم ويحرق اللحوم ويدفن أسلحتهم تحت الأرض فإن وقع في قلوبهم أن الكفرة يجدون الأسلحة تحرق أسلحتهم وإن طلبوا الأمان أمنهم فإن جاءوا بأمان يدعوهم إلى الإسلام أو إلى قبول الجزية فإن أبوا ردهم إلى مأمنهم ثم يقاتلهم فإن أمنهم غير الإمام إن أمنهم حر مسلم رجل أو امرأة صح أمانه. وكذلك أمان المريض والشيخ الكبير الفاني لأنه من أهل القتال بمال أو برأي. ويصح أمان المكاتب والعبد الذي قاتل مع العسكر. ولا يجوز أمان المسلم التاجر في دار الحرب ولا أمان المسلم الأسير في أيديهم ولا أمان الذي أسلم في دار الحرب ولا أمان العبد الذي يكون مع المولى للخدمة. وقال محمد رحمه الله تعالى يجوز أمانه*ولا يصح أمان الصبي في قول أبي حنيفة رحمه الله تعالى حتى يبلغ*وقال محمد رحمه الله تعالى إذا كان مراهقا صح أمانه* ولا يجوز أمان أهل الذمة إذا استعان المسلون بهم ولا أمان المجنون. إذا أسى العدو جارية للمسلم وأدخلها دار الحرب ثم دخل سيدها بأمان لا يحل له أن يغصبها منهم ويكره له أن يطأها لأنه يكون نقضا للعهد ولو كان المولى أسيرا في أيديهم كان له أن يسرقها ويأخذ أموالهم وأن يقتلهم*ولو أن صفا من المشركين قاتلوا المسلمين ومع المشركين أطفال ونساء أو مستأمنون من المسلمين أو من أسلم منهم في دار الحرب جاز للمسلمين أن يرموا إلى المشركين بضرب وبطعن ويقصد بذلك المشركين دون هؤلاء فإن أصاب سهمه هؤلاء وقتل لا تجب الكفارة ولا الدية. وكذا لو تترس المشركون بالصبيان والمسلمين لا بأس بالرمي إليهم ويقصدون به الكافرين دون المسلمين. وكذا لو وقف المشركون على سور مصر حاصره المسلون مع من ذكرنا جاز الرمي إليهم. وإن ظهر المسلمون على بلدة من بلاد أهل الحرب كان الإمام بالخيار إن شاء قتل الرجال إن لم يسلموا وسبى النساء والذرية وإن شاء استرق الكل وإن شاء تركهم أحرار أو ضرب الجزية عليهم وهو في أراضيهم بالخيار إن شاء ترك الأراضي في أيديهم عندنا ويضع الخراج على أراضيهم والجزية على رؤسهم. وليس للإمام أن يقسم الغنائم في دار الحرب عندنا وقال أبو يوسف رحمه الله تعالى أحب إلى أن لا يقسم فإن قسمها في دار الحرب نفذت قسمته في قولهم*ولا يملك الغنائم قبل الإحراز عندنا*وعند<565> الشافعي رحمه الله تعالى يملك. وقسمة الغنائم في دار الحرب بناء على ذلك. وكذا لو مات واحد من الغانمين قبل إحراز الغنائم بدر الإسلام عندنا لا يورث نصيبه ويكون بين عامة الغانمين وعنده يورث نصيبه. وإذا لحقهم المدد قبل الإحراز عندنا يشاركهم المدد في تلك الغنائم وعنده لا يشاركهم كما لا يشاركهم بعد الإحراز. ولو فتح الإمام بلدة عنوة من بلاد الحرب وقسم فيها الغنائم قبل الإحراز بدار الإسلام جازت قسمته لأنه لما فتحها صارت تلك البقعة من دار الإسلام فإن قسم الأراضي والدور واسترق الرجال والنساء والذرية وقسم الكل بين الغانمين حاز في قولهم. ولو تركهم أحرار وأجر الدور والعقار منهم كل سنة بأجر معلوم جاز في قولهم ولو وضع الخراج على أراضيهم جاز أيضا والغنيمة التي تقسم بين الغانمين ويجب فيها الخمس ما يصيبها الجيش من المسلمين. وأما ما أصابها اثنان أو ثلاثة على وجه السرقة ودخلوا بغير إذن الإمام يكون فيأ عند أبي حنيفة رحمه الله تعالى ولا يجب فيها الخمس عنده. ولا يجب الخمس فيما يأخذ من الكفر إلا بشرطين أحدهما أن يكونوا جماعة والثاني أن يكون دخول دار الحرب بإذن الإمام وعند صاحبيه ما أصابها اثنين أو ثلاثة أو أكثر يكون غنيمة يجب فيها الخمس إذن لهم الإمام أو لم يأذن.قوم من الكفار دخلوا دار الإسلام فلقيهم المسلمون وقاتلوهم وظهروا عليهم وأخذوا ما كان لهم ثم لحقهم قوم آخرون من المسلمين لا يشاركهم المدد فيما أصابوا. وكذا لو دخل المسلمون دار الحرب وفتحوا بلدة وقهروا أهلها ثم لحقهم المدد لا يشاركهم المدد لأن تلك البلدة صارت من بلاد الإسلام فلا يشاركهم المدد. ثلاثة لهم حظ في الغنيمة وإن لم يقاتلوا أحدهم المدد إذا لحق الجيش قبل إحراز الغنيمة في دار الإسلام فإنه يشارك الغانمين في الغنيمة عندنا. والثاني الغازي إذا مرض أو صار مجروحا قبل شهود الواقعة وقبل الظفر ثم ظفروا فإنه يشارك الجيش في الغنيمة.والثالث إذا أسر الرجل من العسكر ووقع القتال بين العسكريين ولم يكن الأسير معه وغنموا ثم خرج الأسير قبل إحراز الغنيمة بالدار كان له السهم في الغنيمة.كذا لو خرج بعد الإحراز قبل القسمة فإنه يشارك العسكر ومن أسلم من أهل الحرب قبل القتال وقاتل الكفار معنا يضرب له السهم. يجوز له الانتفاع بالغنيمة قبل الإحراز بدار الإسلام بغير إذن الإمام منها تناول الطعام عند الحاجة بقدر حاجته. ومنها السلاح له أن يستعمله إذا لم يكن له سلاح نفسه ثم يرده إلى الغنيمة بعد الاستغناء ولبس الثياب عند الحاجة بمنزلة السلاح ومنها ركوب الدابة ثم يردها بعد الاستغناء. وإن باع شيئا من هذه الأشياء لا يجوز بيعه ويرد الثمن إلى الغنيمة وإن أخرج طعام الغنيمة إلى دار الإسلام قبل القسمة رده إلى الغنيمة وإن أخرج الطعام وقد قسمت الغنائم فإن كان فقيرا فينتفع به لأنه بمنزلة اللقطة ولا شيء عليه إن كان فقيرا. وإن كان غينا وانتفع به بعد الإخراج يتصدق به أو بقيمته. ولا بأس أن يدهن بزيت <566>أو سمن من الغنيمة أو يدهن دابته في دار الحرب يباح له ذلك كما يباح أكله. وإن لم يمن مأكولا كذهن البنفسج ليس له أن ينتفع به في دار الحرب وعليه رده إلى الغنيمة لأنه بمنزلة الطيب. ولا يأخذ سلاح الغنيمة وفرس الغنيمة مع سلاحه وفرسه لأنه لا ضرورة إلى الانتفاع بالغنيمة والخشب يكون ذلك غنيمة ويجب فيه الخمس. وإن لم يكن له قيمة فهي لمن أخذه ولا خمس فيه لأنه بمنزلة الماء والكلا والتراب إذا لم يمن له قيمة فإن أخذ في دار الحرب ما له قيمة كالخشب ونحوه وعمل منه آلة ونحوها فإنه يرد إلى الغنيمة إذا لم تكن الصنعة متقومة لأنه مال متقوم في نفسه بغير عمل. وإن لم تكن للمأخوذ قيمة فعمل منه شيئا كان المعمول له لأنه صار مالا بعمله فلا يكون غنيمة. وإن اتلف في دار الحرب من الغنيمة ماله قيمة لا ضمان عليه وإن كان متقوما لأنه لا يتأكد فيها حق الغانمين قبل الإحراز بدار الإسلام فيكون بمنزلة مال الحربي. ولا يجوز للتجار أن يأخذوا من الطعام والعلف وإن أتلفوا ذلك لا ضمان عليهم. وما يجوز الانتفاع به للمجاهدين عند الحاجة يجوز لصبيتهم الذين كانوا معهم ولنسائهم اللاتي كن معهم لمداوات المرضى والجرحى ويباح لرقيقهم أيضا فأما الأجير للخدمة يباح له أن يأكل شيئا من الغنيمة. فإذا ذبح الغازي غنم الغنيمة أو بقرها للأكل عند الحاجة رد جلدها إلى الغنيمة لأن الجلد ليس بمأكول ولا من العلف. فإذا خرجت سرية بغير تنفيل الإمام أو خرجوا في طلب العلف فما أصابوا يكون غنيمة يجب فيها الخمس لا تختص به السرية. وكذا لو قتلوا كافرا فسلبه يكون غنيمة فلا يختص بها القاتل عندنا. ويستحب التنفيل للإمام وأمير العسكر فإن نفل الإمام أو أمير العسكر وجعل له شيئا من الغنيمة التي وقعت في أيدي الغانمين لا يجوز وإنما يجوز التنفيل مما كان قبل الإصابة. وإذا نفل الإمام وقال من أصاب شيئا فهو له فأصاب واحد منهم شيئا في دار الحرب كان له خاصة لا يجب فيه الخمس ولا يشاركه غيره في ذلك وإن مات في دار الحرب فما أصابه يكون ميراثا عنه. ولو قال من أصاب جارية فهي له فأصاب رجل منهم جارية فاسبرأها بحيضة في درا الحرب لا يحل له وطؤها في قول أبي حنيفة رحمه الله تعالى وقال محمد رحمه الله تعالى يحل له وطؤها. ولو قال من قتل قتيلا فله سلبه فقتل المسلم كافرا كان له سلبه والسلب دابة المقتول وسرجها وما عليها من الآلات وثياب المقتول وسلاحه وما معه من مال في حقيبته أو على وسطه أو دابته وكان عدا ذلك فليس بسلب. وكذلك ما كان مع غلامه على دابة أخرى فليس بسلب. ويجوز التنفيل بكل مال من الذهب ولا فضة وغير ذلك عندنا. وإن قال المنفق من أصاب شيئا فله الربع أو النصف كان كما قال ولا خمس فيما سمي لهم. وإن بقي شيئا مما لم يسم له ففيه الخمس فأربعة أخماسه لسائر الغانمين يشترك فيها المنتفل. ولو قال من أصاب شيئا <567>فله الربع أو النصف بعد الخمس يجب الخمس فيما سمي له.
Bogga 354