526

Commentary on the Sunan of Imam Ibn Majah

مشارق الأنوار الوهاجة ومطالع الأسرار البهاجة في شرح سنن الإمام ابن ماجه

Daabacaha

دار المغني

Daabacaad

الأولى

Sanadka Daabacaadda

1427 AH

Goobta Daabacaadda

الرياض

يُعْرَف ذلك في وجهه، وكأنه نَذِير قوم يُصَبِّحهم الأمر غدوةً، وكان إذا كان حديث عهد بجبرائيل لم يتبسم ضاحكًا، حتى يرتفع عنه. وأخرج الطبراني والبزار من حديث جابر ﵁ قال: كان النبي ﷺ إذا أتاه الوحيُ، أو وَعَظَ قلتُ: نذير قوم أتاهم العذاب، فإذا ذهب عنه ذلك رأيته أطلق الناس وجهًا، وأكثرهم ضحكًا، وأحسنهم بِشْرًا ﷺ (١).
والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة السابعة): قوله: "فقلنا: يا رسول الله كأنها موعظة مُوَدِّع فأوصنا" يدل على أنه ﷺ كان قد أبلغ في تلك الموعظة ما لم يُبْلِغ في غيرها، فلذلك فَهِمُوا أنها موعظة مُوَدِّع، فإن المُوَدِّع يَستقصِي ما لا يَستقصي غيره في القول والفعل، ولذلك أمر النبي ﷺ أن يصلي صلاة مودع (٢)؛ لأنه مَن استشعر أنه مُوَدِّع بصلاته أتقنها على أكمل وجوهها، وربما كان قد وقع منه ﷺ تعريض في تلك الخطبة بالتوديع، كما عَرَّض بذلك في خطبته في حجة الوداع، وقال: "لا أدري لعلي لا ألقاكم بعد عامي هذا"، وطَفِقَ يُوَدِّع الناس، فقالوا: هذه حجة الوداع، ولمّا رجع من حجه إلى المدينة جمع الناس بماء بين مكة والمدينة، يُسَمَّى "خُمّا"، وخطبهم وقال: "يا أيها الناس إنما أنا بشر مثلكم، يوشك أن يأتيني رسول ربي فأجيبه"، ثم حَضَّ على التمسك بكتاب الله، ووَصَّى بأهل بيته خيرًا، أخرجه مسلم. وفي "الصحيحين"، ولفظه لمسلم عن عقبة بن عامر ﵁ قال: صلى رسول الله ﷺ على قتلى أُحُد، ثم صَعِدَ المنبر كالمُوَدِّع للأحياء والأموات، فقال: "إني فَرَطُكُم على الحوض، فإن عَرْضه كما بين أَيْلَة إلى الْجُحْفة، وإني لست أخشى عليكم أن تُشركوا بعدي، ولكن أخشى عليكم الدنيا تتنافسوا فيها، فتقتتلون فتهلكوا كما هلك

(١) المصدر السابق ٢/ ٨٧ - ٨٨.
(٢) هو حديث ابن عمر ﵄ مرفوعًا: "صَلِّ صلاةَ مُوَدِّع كأنك تراه، فإن كنت لا تراه فإنه يراك، وايأسْ مما في أيدي الناس تَعِشْ غنيًّا، وإياك وما يُعتَذر منه". وهو حديث حسن. انظر "السلسلة الصحيحة" للشيخ الألباني رحمه الله تعالى رقم ١٤.

1 / 526