قال: ﴿وطعام الذين أوتوا الكتاب حل لكم﴾ [المائدة: ٥]، ولو كان طعام جميع الكفار حلالا لما خضهم بالذكر، وليس هذا استدلالا بمفهوم اللقب، كما زعمه بعض المعاصرين، وإنما هو رجوع في المسكوت عنه إلى الأصل، وهو الحرمة في الحيوان كما قدمنا. فالصحيح الذي أجمعت عليه الأمة طوال القرون أنه لا تحل الذبيحة للمسلمين إلا إذا كان الذابح مسلما أو من أهل الكتاب، والمراد بأهل الكتاب؛ اليهود والنصارى، وهناك بعض أقوال شاذة في اعتبار المجوس من أهل الكتاب استدلالا بقول رسول الله ﷺ: «سنوا بهم سنة أهل الكتاب» (١) ولكن الصحيح أن هذا الحديث إنما يتعلق بأخذ الجزية منهم، فإن الحديث ورد في هذا الموضوع، وإن سيدنا عمر بن الخطاب ﵁ كان مترددا في أنه هل تؤخذ منهم الجزية، حتى أخبره عبد الرحمن بن عوف ﵁ بهذا الحديث، فأخذ الجزية من المجوس. روى مالك في الموطأ عن محمد بن علي أن عمر بن الخطاب ﵁ ذكر المجوس فقال: ما لك كيف أصنع في أمرهم؟ فقال عبد الرحمن بن عوف: أشهد لسمعت رسول الله ﷺ يقول: «سنوا بهم سنة أهل الكتاب» (٢) واستدل الجمهور على اقتصار لقب أهل الكتاب على اليهود والنصارى بقول الله ﷿: ﴿أن تقولوا إنما أنزل الكتاب على طآئفتين من قبلنا وإن كنا عن دراستهم لغافلين﴾ [الأنعام: ١٥٦] . وبأن رسول الله ﷺ ما عد المجوس من جملة أهل الكتاب، وإنما قال: «سنوا بهم سنة أهل الكتاب»، يعني في أخذ الجزية، فتبين أنهم ليسوا من أهل الكتاب، وإنما يعاملون معاملة أهل الكتاب في قبول الجزية منهم.
(١) راجع المحلى، لابن حزم: ٧/ ٤٥٦
(٢) موطأ الإمام مالك، كتاب الزكاة، جزية أهل الكتاب.