557

وفي يوم الخميس تاسع عشر شهر جمادى الأخرى اتفق مغزى من صاحب المنصورة على ولده عبد الله فاستولى عليه وأدخله المنصورة وحبسه فيها، وسبب ذلك أنهم تفرقوا بمحاطهم، كل منهم حط بجهة متباينة، فكان ينال منهم بالغزوات، ويوثب عليهم جوار المنصورة. وظهر الوباء في فصل الصيف، فمرض كثير ومات من مات من العساكر. وجاء التحقيق واستفاضت الأخبار بأن صاحب المنصورة الناصر لما ضاق به الحال لم يجد بدا من الاستنصار بقبائل الحجرية، وبذل المال لمشائخهم، فأرسل بعض النقباء معه إليهم، فأجابوه، وهذا الرجل يسمى رباح، فاستمالهم واجتمعوا له وجمعهم إلى قريب المنصورة من ناحية بين الجبال لا يشعر بهم أهل المحطة. وكتب إلى الناصر صاحب المنصورة بذلك، فخرج صاحب المنصورة منها لمفاتحة الحرب إلى محطة ولده عبد الله وصنوه إسحاق، فشرع الحرب، فانكسر لهم والذي معه القليل من عسكره، ثم تبعوهم إلى قريب المنصورة، فلما حصل ذلك وهم في آخر الحرب والرمي؛ إذ أقبلت عليهم القبائل من كل فج عميق وأحاطوا بهم من خلفهم وعن أيمانهم وعن شمائلهم، وحالوا ما بينهم وبين محطتهم ووقع الحرب والضرب، فقتل كثير من أصحابهم، ولم يفلت منهم إلا من هرب أو واجه وأسروا ولده عبد الله وصنوه إسحاق وأسروا منهم وأقبلوا على محطتهم انتهبوها، فلما شعر بذلك أهل المحطة الأخرى وهم حسين بن علي بن المتوكل وعبدالله بن يحيى بن محمد بن الحسن لم يكن همهم إلا الارتحال، وحمل ما خف من الأثقال، حتى بلغوا إلى بلاد الأحمدي وجبل سامع على مسافة يوم، وأرادوا العزم إلى تعز[159/ب] فتدرك الأحمدي بأنهم يستقرون ولا عليهم بأس، فسكنوا ثم لم يشعروا إلا بإحاطة القبائل عليهم فحاربوهم هنالك. وعند ذلك واجه جميع اليمن الأسفل للناصر، ونوروا النيران حتى بلغت إلى سمارة، ولم يبق إلا المدن؛ لأجل الرتب فيها. فلما حدث هذا الحادث شلت قبائل اليمن الأعلى رؤوسها وهابوا الناصر، ونفدت الخزائن مع الدولة اليوسفية . وظهرت فترتهم وقل ما بأيديهم من المال والرجال، فالملك لله تعالى ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.

وجاء الخبر بوصول الجنود العثمانية إلى مكة وخروجهم عنها طريق اليمن في هذه الأيام بأول رجب، وأن أحمد بن غالب الشريف الأمير المكي قد بلغ إلى بلاد قحطان ووادي ذهبان رأس بلاد الحجاز. فمن الناس كثير قال: في ذلك فرج على المسلمين من هذه الفتنة التي طالت باليمن من غير مصلحة للمسلمين، ولأن الظاهر أنها لا تنقطع فيما بينهم؛ لأنهم قد اشتجروا على البلاد، وكل منهم يريد بلاد الآخر.

وجاء خبر آخر أن أهل الحجرية بعد تمام الواقع من الحرب والاستيلاء على المذكورين صالوا على المنصورة، فانتهبوها وحوزوا صاحبها.

وجاء خبر أن حسين بن علي وعبد الله بن يحيى واجهوا، وطلب لهم الأمان الشيخ الأحمدي ودخلوا إلى المنصورة. وكتب صاحب المنصورة إلى صاحب شهارة ووادعة القاسم وأحمد أبناء المؤيد بن القاسم -لأنهما على الولاء المتقدم لصاحب المنصورة، والخطبة- بالاخبار بالحادث والإستيلا على المذكورين. وأحمد بن المؤيد كتب إلى حسين بن محمد بن أحمد أبو طالب صاحب عمران بأنه يدخل في إجابة الناصر، وإلا فهو متقدم إليه، فبقي المذكور في حيرة من أجل ذلك بين إقدام وإحجام، وعند ذلك أمر يوسف جماعة من عسكر جبل ضوران وبلاد آنس بالغارة ورئيسهم العبد فرحان، فساروا إلى ذمار. وبلغهم أن قد دخل حسين بن علي بن المتوكل وعبد الله بن يحيى المنصورة تحت الأسر، فسكنوا بذمار، وقالو: إلى عند من نصل[160/أ] بعد ارتفاعهم والاستيلاء عليهم ومواجهة اليمن الأسفل؟ فاستقروا هنالك، وبقي يوسف في حيرة وسقط في يده، ولا سيما وصنوه زيد بالمخا قد واجه إلى صاحب المنصورة الناصر فتغلق اليمن الأسفل جميعه إلى سمارة.

وصاحب شهارة باقي على الأصل، فلم يبق إلا حوزته بلاد ضوران وصنعاء، ولعلهم يواجهوا، والله أعلم.

Bogga 880