541

ووصل رسول من حسين بن عبد القادر بأن الولاية له، وأن صنوه حسن معزول عن المشاركة، وأنه ينزل من كوكبان إلى حدة لمحاصرة حسين بن المتوكل، فكان أهم بذلك، ثم بلغه خلاف ولده عبد الله وصنوه إسحاق على الناصر، فترك ذلك وسكن. وسبب هذا الأمر اضطراب أوامر صاحب المنصورة وتناقضها، بحيث لم يبرم أمرا من الأمور، بل يناقضه من عزل وتولية، ثم له فزات كثيرة للرؤساء والسادة، والتوعدات المتواترة على أشياء غير موجبة، ووضع الزناجير في الرقاب والمعاقبات المجلدة، والتشديدات الغليظة، فنفرت نفوس كثير من الأعيان والرؤساء والقادات الكبار من المشائخ والنقباء والعقال، ولم يصبر على حاله إلا القليل لما يبذله من المال والبرطيل ، وهم على حذر منه في الأفاعيل، لكن غلبهم حب المال، مع أن بذله ليس بعام، بل لمن شاء واختار. ومنهم من يصل إليه من الوافدين والمساكين فلا يصلهم بشيء، ومنهم من يحول له على الولاة فلا يجدي خطه في شيء.[146/ب] وحرك هذه الأيام صاحب المخا السيد حسن بن مطهر الجرموزي وصادره فيما عنده وتوعده وتهدده وحبسه وطلب العذر فلم يعذره، وبذل له عشرة آلاف قرش حسبما طلبه فلم يقبله. ولما ظهر ليوسف هذه الأحوال وهو بضوران استنكره منه، وكثر الشكا عليه. وكان قد كتب إليه أهل يافع أنهم منقادون لما يجب من الشريعة وأنهم مسلمون للواجبات، حافظون للطرقات، فما الوجه لغزوهم من صاحب المنصورة، فوقع هذا عند يوسف وبعث برسالة إلى القضاة وإلى إخوته، وقال: هذا لا يجوز لصاحب المنصورة فعله، فأجابوا عليه بأن ذلك كما قال، وإنما غلب هذا الرجل للأمر المحال، وتكليف الناس ما لا يطاق ولا يكاد ينال. ووافق هذا أيضا بعض أولاده وإخوته الذين هم: عبد الله بن محمد بن أحمد بن الحسن، وعمه إسحاق بن أحمد بن الحسن، وعبد الله بن يحيى بن محمد بن الحسن، وعلي بن حسين بن أحمد بن الحسن مع ما جرى أيضا من التوعد لهم من صنوهم والمناقضات في الولايات. وكان من المقدور أن عبد الله ولده تراخى عليه سبار العسكر الذين عنده بقعطبة فكاتب والده بحاجة الناس إلى المصروف. وأن منهم[147/أ] من قد هرب من حضرته، فلما وصل الرسول إليه تهدده، وقال: المصروف قد صرنا في جمعه، ولكن عبد الله لا بد من مؤاخذته، وسأصنع به وأصنع، وأفعل من النكال ما يراه أفظع، وهذا الزنجير الكبير -وأشار إليه- قد أهبته له، وأنت -يشير إلى الرسول- لك الزنجير الصغير. فلما بلغ ولده عبد الله هذا الكلام، وما هو بان عليه من النكال والخصام، مع ما قد رأوه مما جرى مع صنوهم حسن من الحبس الطويل قال: هذا من تكليف ما لا يطاق، وكيف وهو يريد استفتاح جبال يافع، فما مراده إلا إلقاؤهم إلى التهلكة، مع عدم الرعاية والوفاء. وزاد اتفق أنه جهز ولده إسماعيل إلى جبلة وجعل أمرها إليه، وعبد الله هو الذي فتحها واستولى عليها، فقال لسان حاله وإسراره: أصبح قيامه معه لا دين ولا دنيا، وأظهر الندم والاستغفار عما وقع منه في جبلة وما جرى. وكاتب يوسف وقال هو الأولى بالاتباع، وأجابه. وكذلك إسحاق وعبد الله بن يحيى، وعلي بن حسين، وأما إبراهيم بن أحمد بن حسن فهو قد باينه من قبلهم، فاجتعموا على هذا، وارتفع عبد الله من قعطبة إلى إب. فلما وصلت كتبهم إلى يوسف أظهر الدعوة، وكاتب إلى صنوه الحسين بن المتوكل صاحب صنعاء وجزموا بالخلع للمذكور، فخلعوه وخطبوا ليوسف بصنعاء وذمار وضوران وإب. وجاءت كتب يافع بالإجابة ليوسف، فكان هو السادس من الإمام القاسم، وكل سادس مخلوع في الغالب. ووافقهم يحيى بن محمد بن الحسين أيضا. واختلف أهل صنعاء فيما بينهم وتخوفوا من جانب صاحب المنصورة، وقالوا: لا يحصل عليهم منه انتصار، فيحصل ما يحصل من الخلل، وقد يحصل من أولاده وإخوته انتقاض فيما فعلوه من الإجابة ليوسف، فصاروا في حالة عجيبة، وقد كان شد أهل جبلة بحللهم من جبلة خشية لا يقع فيها مثل العملة الأولة، وكذلك بعض أهل ذمار رحلوا عنها، فعند أن بلغه هذا الحادث بقي في حالة عجيبة وتغير مزاجه وتحدث بالخروج من المنصورة، وجعل للعسكر الذين عنده زيادات في الجوامك ومن دخل معهم، وصار المذكور يقدم رجلا ويؤخر أخرى؛ خشية من خلاف يافع وابن شعفل وأطراف الحجرية. وعند ذلك أرسل ولدا له صغيرا يسمى محسن بجماعة إلى ذي أشرق، وهو في ولاية صنوه إسحاق، فتلقاه بالحرب والمنع عن دخول بلاده، فوقعت الهزيمة في أصحاب الناصر وانتهبوا السلاح وأسروا جماعة ومن جملتهم ولده محسن، ثم أرجع محسن إلى عند والده. فأطبقت البلاد إلى تعز [148/أ] ليوسف، وازدادت الحيرة مع الناصر في منصورته، وعند ذلك تابع حسين بن المتوكل الإمداد بالعسكر إلى ذمار وإلى عند عبد الله بن الناصر وإسحاق، فتقوت أيديهم. وكان قد أرسل الناصر واليا إلى حراز وواليا إلى الحيمة، فمنع عن ذلك حسين بن المتوكل وجهز جماعة عسكر، فأخرجوهم عنها. ولما حدث هذا الأمر كان حسين بن حسن ومحسن بن أحمد بن الحسن باقين على إجابة صاحب المنصورة. بعثوا بطائفة من عسكرهم إلى بعدان ، فخرج عليهم عبد الله بن يحيى بن محمد بن الحسن فاحتربوا فيه وهزموهم وقتلوا منهم واستولوا عليهم. وكان من جملة القتلى ولد مسمار من أصحاب حسين بن حسن، ثم إن حسين بن حسن عوض بطائفة من عسكره رئيسهم ولده قاسم بن حسين، فوصلوا إلى إريان ما بين بعدان وسمارة ويريم وسكنوا فيها، لما لم يجدوا مدخلا إلى بعدان، فتلقاهم في إريان علي بن حسين بن أحمد بن الحسن، وعبد الله بن يحيى وعبد الله بن الناصر ووقع الحرب الشديد، فاستولوا عليهم أجمع وأسروهم وقتلوا منهم وانتهبوا جميع محطتهم، وقبضوا ولد حسين بن حسن: القاسم بن حسين ، وعند هذا ذكر رجل مجنون: هذا صاحب المنصورة قد كان سبرت له، لكنه ما أحسن لنفسه. [148/ب]. والحمزة بن أحمد بن الحسن صاحب الغراس كرر الطلب لقبائل بني الحارث وهمدان على أنه يدخل بهم صنعاء، فمنعوا أنفسهم وقالوا: ما ندخل، ويحصل بسبب قبائلنا فيها الظلم للمسلمين، ولا ندخل بينكم أيضا إلا من استقر عليه أحد واتفق الناس عليه من السادة والقضاة والعقال، فنحن مع الجماعة، فأصابوا وأحسنوا وما قصروا ووافقوا الشرع الشريف.

وفي هذه الأيام ظهر حيوان منكر قال الناس: إنه السبسب، فيه ضراوة، فضر كثيرا من الناس، وأكلهم في النهار والليل من صدفه منفردا، إلا أن يكونوا جماعة، في بني مطر وضوران وسنحان وقاع صنعاء، وقد قتل منها بنو مطر وسنحان اثنين، وفي طريق الغراس قتل واحد منها وبقي واحد منها في شعوب يدور، أكل صعبا بشعوب، وآخر بقاع صنعاء العدني، وظهر في بلاد حضور.

قال من رآه من الناس: وصفته أنه عريض الصدر، عريض الجبهة، دقيق الخرطوم، له أنياب ظاهرة، عريض الذنب، مسلوب من مؤخره، وكبره ما بين الضبع والكلب، إلا أنه أطول منها. وصار يثب لمن ظفر به إلى النحر ولا يأكل إلا بني آدم سلطه فالله يدفع ضرره وخوف كثيرا من الناس، وأكلت جماعة من الناس. وقد خرج هذا الحيوان في مدة محمد باشا في سنحان، وقتلوه تلك المدة، ثم لم يظهر إلى هذا التأريخ .

وفي ليلة سابع شهر صفر وقت العشاء خر نجم من المغرب إلى المشرق، فسمع له حركة من شدة خريره، سمعه كل الجهات، ورأوه كل يقول هو في جهته.

وفي نصف شهر صفر وصل الزوار من المدينة المشرفة فأخبروا أن حال دخولهم مكة جهز الشريف أحمد بن زيد ولده بعسكر كثير وخيل طريق تهامة التي إلى جهة القنفذة وحلي، ولا يعلمون أين قصدهم[149/أ].

Bogga 863