Farxadda Waqtiga
بهجة الزمن
كان مرضه رحمه الله من آخر نهار الجمعة خامس عشر الشهر، ومات بصنعاء، فكان له موقع عظيم[108/ب] عند والده كاتب الأحرف للغفلة الطارئة التي حصلت في هذه المدة، ثم شيعناه رحمه الله من الدار التي لنا قريب الأبهر إلى بير العزب، غربي صنعاء، وقبرناه قريبا من بيتنا ومخرفنا -في مكان مناسب لمثله ويقرب من التذكر لنا والتأسي به وللدعاء- بأطيان بير طاهر التي لنا. وكان هذا المحل الذي قبر فيه رحمه الله كثيرا ما يتعود القعود فيه وحده، عند ساقية الماء الجاري من البير لسقي الضيعة التي معنا والأعناب فيها. وكان سنه يومئذ في عشرين سنة ونصف، ومولده سنة خمس وسبعين وألف ، وكان لا يفارقنا رحمه الله في بقانا بصنعاء وفي الخريف في هذا المحل خارجها، إلا هذه السنة، فإنه اختار واسترجح عدم الخروج لنزهة الخريف معنا، وكنا نحب مطابقة غرضه ومسايرته، فسكن هنالك إلى آخر الخريف وكان موته رحمه الله. وكان فيه صفات ما رأيتها في أحد من أمثاله وأبناء جنسه رحمه الله من السكينة التي رزقها وكمال العقل والقناعة، بحيث لم يسألني في حاجة ولا مطلبة، وإنما كنت أعرض عليه ذلك عرضا، فيأخذه مني. وكان لا يخطر بباله يسأل الدولة ولا القصد إلى أبوابهم ولا الاتصال بهم بالجملة الكافية، فما وصل إلى أحد منهم في جميع مدته ولا عرفهم ولا كاتبهم. وكان قد ولع بالصلاة[109/أ] بجامع صنعاء محبة منه للجماعة والتلاوة، فكان لا يتركها للمغرب والعشاء كل ليلة رحمه الله. وكان من جملة المثبطات له في السكون بصنعاء هذا العام وعدم الخروج لنزهة الخريف هو ذلك، وربما زوجته أحبت سكونه بصنعاء، فسكن معها. وكان رحمه الله يشتري من الكتب ويحب مطالعتها، خصوصا ما فيه من القصص والأخبار والآداب، وكان قد قرأ على كاتب الأحرف في كافية ابن الحاجب شرفا واحدا، وله الخط الحسن، واللفظ البليغ المحكم. وكان يظهر معه رحمه الله البركة فيما تحت يده، بحيث ذكرت له مرة أني عجبت فيما رأيته معك من الفراش والكتب ونحو ذلك، وما يشتريه من الكسوة له وأهله، من أين هذا؟ فقال: الأمور متيسرة، فعلمت أن ذاك إنما هو بركة القناعة، فإنها رأس الغنى، فرحمه الله رحمة واسعة، وتلقاه بالروح والريحان، والرضى والغفران. ولقد كان رحمه الله في بعض السنين ونحن بالخريف يدخل في رمضان إلى جامع صنعاء من بير العزب للصلاة، ويبقى في الجامع إلى قريب الغروب يصلي فيه ويتلو القرآن هنالك ثم يخرج إلى عندنا هذا دأبه. ووصلت أبيات في تأريخه رحمه الله من سنبل بن سرور رعاه الله برعايته، وعانه وأحسن إليه في دنياه وآخرته، يقول فيها:
[109/ب]جرى حكم المنية في الزمان .... بأن المرء مخترم الأماني
الفارس الحسن بن يحيى .... يموت وما سوى الرحمن فاني
مضى لم يقض من دنياه سؤلا .... ونادى يا خليلي ودعاني
وأنموولى غير ملتفت إليها .... سريعا غير ثان للعنان
فإما رمت تعرف أين ولى .... فأرخه إلى ظل الجنان
سنة 1096 .
وقال السيد علي بن صلاح السراجي:
يا أيها المولى العماد ومن غدا .... بجميل أوصاف المكارم يحمد
وأجل من يغني الذرا بعلومه .... ويحل أمر المشكلات ويعقد
بك أسوة بمحمد ووصيه .... فالشكر أجمل والتصبر أحمد
ولأن مضى رزء حل قلوبنا .... لكن هو يا خير مولى يوجد
حسن العز ألما أتى تأريخه .... حسن بعز في الجنان مخلد
1096
وللقاضي زيد بن صالح العنسي قوله:
ما قضى حسن نجل الهدى وطرا .... عن الحياة وسبل الراشدين مضى
وحاز أجرا بحسن الصبر والده .... يحيى عماد الهدى والدين واتعضا
لأقره الله في عدن وأسكنه .... بالخلد كيما أتى التأريخ منه رضا
[110/أ] وللفقيه أحمد بن علي الشارح قوله:
وجزاه الإله جنان عدن .... في مقام نعيمه غير فان وإذا رمت فيه تحقيق نظمي .... فاصغ سمعا لما يقول لسان
Bogga 795