Badr Munir
البدر المنير في معرفة الله العلي الكبير
والصحيح أن ذلك قد عرف من قوله تعالى: {وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما فإن بغت إحداهما على الأخرى فقاتلوا التي تبغي حتى تفيء إلى أمر الله...إلى آخر الآية} إذ ليس البغي المذكور في الآية كفر لقوله تعالى أولها: {وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما} وهذا معلوم أنها في فرقة المسلمين، فأخذ علي عليه السلام في أحكام البغاة بصريح هذه الآية الكريمة، وهي دالة بصريحها على أحكام البغاة التي فعلها علي عليه السلام فيهم، وقد حدث بها ابن مسعود قبل حصولها عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم وقد علمها علي عليه السلام وحدث بها عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم باللفظ وبالمعنى، وعلي عليه السلام باب مدينة العلم عليه السلام ولأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم نص على معنى الآية الكريمة وفعل علي عليه السلام تفسير للآية الكريمة وبيان لكيفية العمل بها في الصلحين والفئة إلى أمر الله، فأمر علي عليه السلام بقتال الناكثين والقاسطين والمارقين، والبغي في الآية الكريمة في قوله تعالى: {فقاتلوا التي تبغي} تعم الناكثين والقاسطين والمارقين، إذ كل ذلك بغي في اللغة والشرع وذلك إجماع، فوجب نصرة علي عليه السلام وقتال أهل البغي معه عليه السلام وهو معاوية ومن نحا نحوه، ومن تخلف عن علي عليه السلام لا بد أن يكون عاصيا فاسقا حيث شك في كون علي عليه السلام على الحق لعصمة علي عليه السلام ومعنى الآية الكريمة أن قوله تعالى: {وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا} إما أن تعرف الطائفة الباغية من أول القتال مع معاوية ومن حذا حذوه ممن تقدم للإمامة بغير دليل، وقد منعه من التقدم لها الأدلة القاطعة بأن يكون من غير ذرية محمد رسول الله وعترته بعده صلى الله عليه وآله وسلم إلى انقطاع التكليف بزوال ذريته -صلى الله عليه وآله- من على وجه الأرض فقد قال تعالى: {فأصلحوا بينهما} فالصلح بين الطائفة التي هي مثل هؤلاء بأن يسعى بينهم وبين المبغي عليهم من يؤمن عليه من ضررهم من علماء أهل الحق المبغي عليهم أو غيرهم، فيحلون شبهتهم، ويرفعون عنهم ما كان سببا لتجريهم من الظلامات سواء كانت صدرت إليهم من ولاة أمرهم المحقين خطأ أو عمدا، وتضمن الباغية النفوس والأموال بالمثل في المثلي والقيمة في القيمي يوم الغصب، ويجب القصاص والدية مع العفو على من قتل المحقين من البغاة وتعين القاتل بإقراره أو ببينة في وقت [146أ] المصافة وغيرها في وقت هزيمة المحقين فيضمنون -أعني أهل البغي- فيقتص ممن عرف أنه قتل ببينة عليه عادلة أو إقرار منه، ويضمن المحقون من النفوس من قتلوه في غير وقت المصافة، ويضمنون من قتلوا في حال انكسار البغاة حيث لم يغلب بظنهم أنهم يعودون، وكل على ظنه، ويصدق المحقون في خشية عودهم، وإذا دافع الباغي في حال هزيمته المحقين وأظهر أنه لا يعود لم يكن عليه في ذلك قصاص ولا دية، ومن قتله منهم في تلك الحال من المحقين فعليه القصاص أو الدية مع العفو، ولا يضمنون -أعني المحقين- من الأموال ما أخذوه في موضع الحرب لكن إذا غلب الظن أن البغاة انهزموا ثم لا يعودون فلا يؤخذ شيء مما بقي في أيديهم وقت الهزيمة؛ لأن قتالهم وأخذ ما في أيديهم للدفع فقط، وفي هزيمتهم والظن يغلب أنهم لا يعودون إلى التغلب على الباطل سواء تابوا أو لم يتوبوا قد فاءوا إلى أمر الله وهو ترك الباطل، وقد قال: {فقاتلوا التي تبغي حتى تفيء إلى أمر الله} وقد فاءت بترك الباطل، والتغلب على ما ليس لها بحق سواء تابت أو لم تتب وذلك حيث لا يكون انهزامهم إلى منعة، كمدينة أو حصن، فإن كانت إلى منعة ولم يغلب بالظن ضعفها وغلب بالظن عودهم إلى الحرب وتغلبهم على الولاية وقصدها المنهزم؛ فإن لم يقصد الهرب إليها بل إلى غيرها فإنه يكف عنه ولا عبرة بها؛ فإن قصد الرجوع إليها كما ذكرنا وخشي عوده أو تغلبه جاز قتالهم مدبرين أو إليها خشية القتل وأظهر أنه لا يعود أو كان قد جرح ففيئتهم بالتوبة فقط، أو يصالحون على غير محظور غير نفس تغلبهم لضعف المؤمنين، أو لمصلحة زائدة على مفسدة تركهم على أمرهم الذي ليس لهم ويعدلوا في باقي الأمور، فيجوز ذلك، ولا يجب على المحقين، والظاهر عدم الجواز مع القوة ولو عدلوا وذلك معلوم؛لأن نفس توليهم بغير دليل مع وجود من على وجوب ولايته وجوازها أدلة قاطعة وهم أهل بيت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وهم لا ينقطعون إلى انقضاء التكليف محظورة، وذلك معلوم عدم جواز تقريرهم على ولايتهم ولو عدلوا في الرعايا من الأدلة القطعية القاطعة، وهو إجماع معلوم ضرورة تحريم تقريرهم عليها مع وجود أهل بيت الرسول الناصر على بغي المتغلبة على الملك بغير دليل من سائر أمة محمد صلى الله عليه وآله وسلم ثم قال تعالى: {فإن فاءت فأصلحوا بينهما بالعدل وأقسطوا إن الله يحب المقسطين} والصلح الثاني هذا ما قدمنا من الضمان للنفوس والأموال من الفريقين حسب أخذ المال فيما بينهم، وسقط القتل على التفصيل المتقدم، وحيث لم يسقط القتل فالصلح به الأول بدعائهم إلى الحق، وحل شبههم، ورفع المظالم عنهم، وتألف قلوبهم بما جاز ووجب لهم من المحقين وولاية القصاص حيث وجب هنا، وكذلك الدية إلى أولياء المقتول حيث علموا، وإلى الإمام حيث التبسوا.
وإن كانت الطائفتان من أولي الأمر كإمامين أو أكثر من أهل بيت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وذريته[صلى الله عليه وآله وسلم] فكلهم محقون، وعلى إمامتهم كلهم الدليل.
Bogga 32