670

معرفة حقائق الأمور من هناك ، أو بالفكر والروية ، باقتناص المجهولات العقلية من المعلومات ، وهذا هو الإنسان بما هو إنسان.

وإليه أشار مولانا أمير المؤمنين عليه السلام ، فيما يروى أن بعض اليهود اجتاز به عليه السلام وهو يتكلم مع جماعة ، فقال له : يابن أبي طالب ، لو أنك تعلمت الفلسفة لكان يكون منك شأن من الشأن ، فقال عليه السلام : وما تعني بالفلسفة؟ أليس من اعتدلت طباعه صفا مزاجه ، ومن صفا مزاجه قوي أثر النفس فيه ، ومن قوي أثر النفس فيه سما إلى ما يرتقيه ، ومن سما إلى ما يرتقيه فقد تخلق بالأخلاق النفسانية ، ومن تخلق بالأخلاق النفسانية فقد صار موجودا بما هو إنسان دون أن يكون موجودا بما هو حيوان ، فقد دخل في الباب الملكي الصوري ، وليس له عن هذه الغاية مغير (1)، فقال اليهودي : الله أكبر يابن أبي طالب ، لقد نطقت بالفلسفة جميعها ، في هذه الكلمات ، رضي الله عنك (2).

* فصل

ومن البراهين على تجرد نفسه الناطقة سوى ما أسلفناه إدراكه للكليات المحضة ، وتجريده المعاني عن المواد بالكلية ، على نحو ما قررناه في تجرد القوة المتخيلة ؛ لتجريدها الصور عن المواد ، بل المعاني أشد تجردا ، وكل إدراك ونيل فبضرب من التجريد ، إلا أن الحس يجرد الصور عن المادة ، بشرط حضور المادة ، والخيال يجردها عنها وعن بعض غواشيها ، والوهم يجردها عن

Bogga 263