395

والترتيب الواجب ، ليس شيء منها ببخت واتفاق ، بل كل بحكمة وتدبير (1).

وإذا كان هذا هكذا فمن نظر إلى الأسباب القريبة للفعل ورآها مستقلة قال بالقدر والتفويض ، أي تكون أفاعيلنا واقعة بقدرتنا ، مفوضة إلينا ، والله سبحانه أحكم من أن يهمل عبده ويكله إلى نفسه ، وأعز من أن يكون في سلطانه ما لا يريد.

ومن نظر إلى السبب الأول وقطع النظر عن الأسباب القريبة مطلقا ، قال بالجبر والاضطرار ، ولم يفرق بين أعمال الإنسان وأعمال الجمادات ، والله تعالى أعدل من أن يجبر خلقه ثم يعذبهم ، وأكرم من أن يكلف الناس ما لا يطيقون ، فكلاهما أعور لا يبصر بإحدى عينيه.

أما القدرية فبالعين اليمنى ، أي النظر الأقوى الذي به يدرك الحقائق والأسباب القصوى للأشياء ، كالدجال حيث يقول : أنا ربكم الأعلى.

وأما الجبرية فباليسرى ، أي الأضعف الذي به يدرك الظواهر والأسباب القريبة ، كإبليس حيث قال : ( رب بما أغويتني ) (2).

وأما من نظر حق النظر فقلبه ذو عينين ، يبصر الحق باليمنى ، فيضيف الأعمال كلها إليه ( قل كل من عند الله ) (3)، ويبصر الخلق باليسرى ، فيثبت تأثيرهم في الأعمال ، ذلك بما كسبت يداك ، لكن بالله سبحانه ، لا بالاستقلال ، لا حول ولا قوة إلا بالله ، فيتحقق بمعنى قول مولانا الصادق عليه السلام : «لا جبر ، ولا

Bogga 415