234

الحذر من السحر

الحذر من السحر

Daabacaha

مؤسسة الجريسي للتوزيع والإعلان

Goobta Daabacaadda

الرياض

من جديد، ولعل ذلك هو سر إشفاق النبيِّ ﷺ على أمته المكرمة بأمرهم بتكرار الاستغفار والتوبة سبعين أو مائة مرة، مع أن العبد قد لا تبلغ ذنوبه هذا الكمّ في اليوم، إلا أن وساوس شياطين الإنس والجن قد تبلغ ذلك، وقد تزيد، عياذًا بالله تعالى من شر وساوسهم. قال النبيُّ ﷺ: وَاللهِ إِنِّي لَأَسْتَغْفِرُ اللهَ وَأَتُوبُ إِلَيْهِ فِي الْيَوْمِ أَكْثَرَ مِنْ سَبْعِينَ مَرَّة (١)، وقال ﵊: إِنَّهُ لَيُغَانُ عَلَى قَلْبِي، وَإِنِّي لَأَسْتَغْفِرُ اللهَ فِي الْيَوْمِ مَائِةَ مَرَّة (٢) .
فإذا كان النبيُّ ﷺ وشأنه دوام ذِكر الله تعالى - يفتر عن الذكر أحيانًا، فيَعُدّ ذلك ﷺ خلاف الأولى في حقه، فيشرع بالاستغفار والتوبة، فما بال أحدهم وقد علا الرّان (٣) قلبَه ساعات، بل ربما أيامًا، ثم يسأل بعدها مستغربًا كيف تسلّط شيطان على قلبه؟! وكيف تلبّس به وجرى في دمه؟! وكيف صرعه مسٌّ شيطاني، أو أضرّ به سحر سُفْلي، أو عانه عائن، أو أضر به شر حاسد؟! حتى إذا استعصى علاج ذلك على الخلق عرف آنذاك أن ما أصابه كان بما كسبت يداه واشتغلت به يمناه، وبما أعرض قلبه عن ذكر مولاه، فيمّم وجهه مسارعًا إلى راقٍ يرقيه، أو صالح يدعو له، وكان الأجدر به أن يعلم ابتداءً أنْ لا ملجأ ولا منجىً من الله إلا إليه، وأن الأمر كله لله، فلو تعلق بالرقية أو بصلاح عبد يرقيه وحسب، لم ينفعه ذاك، حتى يعود إلى مولاه ويطلب رضاه، عندها ينفع التحصينُ

(١) أخرجه البخاري؛ كتاب: الدعوات، باب: استغفار النبيِّ ﷺ في اليوم والليلة، برقم (٦٣٠٧)، عن أبي هريرة ﵁.
(٢) أخرجه مسلم؛ كتاب: الذّكر والدعاء، باب: استحباب الاستغفار والاستكثار منه، برقم (٢٧٠٢)، عن الأغرِّ المُزَني ﵁. ومعنى: «لَيُغَانُ عَلَى قَلْبِي»، قال أهل اللغة: الغَيْنُ والغيمُ بمعنىً، - أي بمعنى واحد - والمراد هنا: ما يتغشى القلبَ من غفلات عن ذكر الله تعالى. انظر: المنهاج شرح صحيح مسلم بن الحجّاج، للإمام النووي ﵀. (١٧/٢٦) .
(٣) الرّان، والرَّيْن سواء؛ وأصله: الطبع والتغطية، ومنه قوله تعالى: [المطفّفِين: ١٤] ﴿كَلاَّ بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ *﴾، أي طبع وختم على قلوبهم كثرة ذنوبهم. انظر: غريب الحديث والأثر لابن الأثير مادة (رين) (٢/٢٩١) .

1 / 250