As-Sīrah an-Nabawiyyah
السيرة النبوية
Noocyada
•Jurisprudence of the Biography
Gobollada
Masar
إرسال النبي ﷺ لعثمان لمفاوضة قريش في الصلح
لقد أرسلت قريش ثلاثة رسل حتى الآن: أرسلت في البداية بديل بن ورقاء الخزاعي من خزاعة، وأرسلت بعد ذلك الحليس بن علقمة من بني الحارث بن كنانة، وأرسلت بعد ذلك عروة بن مسعود الثقفي من ثقيف، وهؤلاء الثلاثة من خارج قريش، أرسلتهم محاولة للتوسط بينهم وبين الرسول ﷺ، وكان الرسول ﵊ في كل مرة يبلغهم بشيء، لكي يوصلوه إلى مكة المكرمة، لكن إلى الآن لم تستمع قريش مباشرة إلى كلام الرسول ﷺ، وقد يكون هؤلاء الرسل لم يبلغوا الأمر بصورة مرضية؛ إما لشيء في صدورهم، أو سوء فهم لقضية من القضايا؛ فلذلك أراد الرسول ﵊ أن يرسل رسولًا من المسلمين، يستطيع بواسطته أن يصل بالمعاني التي يقتنع بها المسلمون ويطالبون بها، يوصلها بوضوح إلى زعماء قريش؛ ليتجنب فتنة ليس لها أصل، فالرسول ﷺ فكر في إرسال سفير ورسول، فمن الذي أراد ﷺ أن يرسله؟ أول من أراد أن يرسله إليهم عمر بن الخطاب ﵁ وأرضاه، وعمر بن الخطاب كما تعلمون رجل قوي مفاوض له حكمة وقوة ورأي سديد جدًا، فهو في كثير من المرات ينزل القرآن الكريم موافقًا لرأيه ﵁ وأرضاه، فيما عرف بموافقات عمر ﵁، ومما جعل النبي ﷺ يختار عمر بن الخطاب أنه كان في جاهليته سفيرًا لقريش.
وكانت الزعامة في قريش موزعة على عشر قبائل، كل قبيلة عليها دور من الأدوار في قيادة مكة، والدور الموكل إلى بني عدي -التي هي قبيلة عمر بن الخطاب ﵁ وأرضاه- كان دور السفارة في قريش، والذي كان يقوم بهذا الدور من قبيلة بني عدي هو عمر بن الخطاب نفسه، فالرسول ﵊ أراد أن يبعث رسولًا قديمًا من رسل قريش تعترف به كسفير، فهذا في غاية الأهمية وله عمق إستراتيجي واضح، فهذه كانت وجهة نظر الرسول ﷺ في إرسال عمر بن الخطاب ﵁، لكن على غير المعتاد اعتذر عمر بن الخطاب ﵁ للرسول ﷺ، لأنه علم أن الأمر ليس وحيًا، وإنما هو رأي من الرسول ﵊ له أن يراجع فيه ويعرض رأيه، فعرض عمر بن الخطاب رأيه في منتهى الوضوح ومنتهى الصراحة وقال: (يا رسول الله! ليس لي بمكة أحد من بني كعب يغضب لي إن أوذيت) يعني: أنا من قبيلة ضعيفة، قبيلة بني عدي بطن ضعيف من بطون قريش، لو حصل وقتل عمر بن الخطاب فلن يتحرك له أحد، ثم قال: (فأرسل عثمان بن عفان فإن عشيرته بها).
وعثمان بن عفان من قبيلة بني أمية وهي قبيلة قوية عزيزة شريفة لها تاريخ ولها جنود ولها رجال، والجميع يعمل لها ألف حساب، ثم يقول: (وإنه -أي: عثمان بن عفان - مبلغ ما أردت) يعني: الذي تريده سيتحقق على يد عثمان ما هو علي يدي أنا، وواضح من كلام عمر بن الخطاب ومن سيرته قبل هذا الأمر وبعد هذا الأمر أنه لا يخشى الموت، ولم يقل هذا الكلام خوفًا من قريش أو من غيرها، بل كان على استعداد دائم أن يبذل روحه في سبيل الله ﷿، لكنه يريد أن تتم المهمة، وهذه المهمة مثل عثمان بن عفان ﵁ سيؤديها؛ لأن عمر ليست له منعة في داخل مكة المكرمة وهو يريد أن تتم هذه المهمة؛ لذلك ذكر اسم عثمان بن عفان، ولماذا عثمان بن عفان من بين (١٤٠٠) صحابي؟ هذا اختيار في منتهى الحكمة فعلًا؛ لأنه الرجل المناسب في المكان المناسب، فـ عثمان بن عفان من قبيلة بني أمية وهي قبيلة قوية تقدر على حماية عثمان بن عفان، وإجارة بني أمية تمضي على كل قريش، كذلك أبو بكر الصديق نفسه لو ذهب فإنه لا يؤدي مثل ما يؤدي عثمان بن عفان؛ لأن قبيلة أبي بكر الصديق قبيلة ضعيفة، التي هي قبيلة بني تيم.
إذًا: كان اختيار عمر موفقًا لـ عثمان جدًا هذا أولًا.
ثانيًا: عثمان بن عفان مشهور بالحلم والحكمة، فعنده القدرة على أن يتفاوض ويؤدي المهمة كما ينبغي أن تؤدى.
ثالثًا: عثمان بن عفان رجل محبوب جدًا في داخل مكة المكرمة سواء في أيام جاهليته أو في أيام إسلامه؛ لأنه كان كريمًا واسع الكرم، يعطي عطاء بلا حدود، وكل أهل مكة قبل ذلك استفادوا منه، فهو عند أهل مكة محبوب، والناس كلها لن تؤذيه قدر المستطاع، وعثمان بن عفان ﵁ وأرضاه زوج ابنتي الرسول ﷺ، كان متزوجًا في البداية من السيدة رقية، فلما ماتت تزوج أم ك
30 / 10