As-Sīrah an-Nabawiyyah
السيرة النبوية
Noocyada
•Jurisprudence of the Biography
Gobollada
Masar
أول رسل قريش لمفاوضة النبي ﷺ بالحديبية
لقد كان المسلمون على بعد عدة كيلو مترات قريبة جدًا من مكة المكرمة، وبهذه العزة يقفون ينتظرون رسل قريش، وقريش لا تستطيع أن ترسل زعيمًا من زعمائها وإنما تبعث واحدًا وسيطًا يتوسط عند المسلمين أن يعودوا، فذهب بديل بن ورقاء الخزاعي إلى الرسول ﵊؛ ليمنعه قدر المستطاع من دخول مكة، فقريش لا تريد من الرسول ﷺ أن يدخل مكة في ذلك الوقت، ولا تريد أن تحدث معه قتالًا؛ لأنها تشعر أنها أضعف من المسلمين، مع أن المسلمين ليس معهم إلا سلاح المسافر فقط، فوقف بديل بن ورقاء وحاول أن يهدد الرسول ﷺ تهديدًا خفيفًا، لكن هذا التهديد لم يكن من قريش؛ لأن بديل بن ورقاء ليس قرشيًا، فقال بديل مهددًا: إني تركت كعب بن لؤي وعامر بن لؤي قد نزلوا أعداد مياه الحديبية معهم العوذ المطافيل.
يعني: ما تركت كعب بن لؤي وعامر بن لؤي وهما فرعان من قريش يعيشون في مكة تركتهم نازلين قريبًا جدًا من الحديبية، (معهم العوذ المطافيل) يعني: معهم الأبناء والأولاد وهم يريدون حربك يا محمد، فالحرب ستكون ضارية بينك وبين قريش، ثم يكمل بديل بن ورقاء ويقول: وهم مقاتلوك وصادوك عن البيت.
فماذا كان رد فعل الرسول ﷺ؟ لقد رتب الرسول ﵊ الكلمات ترتيبًا سياسيًا حكيمًا بارعًا، وبين له فيه أنه فهم الموقف تمام الفهم، وأن قدوم الرسول ﵊ إلى مكة المكرمة لم يكن قدومًا متهورًا غير مدروس، بل إن الرسول ﷺ عمل حسابه لكل نقطة، فماذا قال؟ قال: (إنا لم نأت لقتال أحد، ولكن جئنا معتمرين) يعني: نحن لسنا مخالفين لقوانين الجزيرة العربية، وإنما أنتم الذين تخالفون قوانين الجزيرة العربية، وقوانين قريش نفسها تقضي بأن ندخل إلى مكة المكرمة لأداء العمرة إذا أرادنا ذلك، بل على قريش أن تحمينا وتحرسنا بسيوفها، فنحن نسير وفق هذا القانون وأنتم تخالفون هذا القانون.
فهو في منتهى القوة يقول: (إنا لم نأت لقتال أحد، ولكن جئنا معتمرين).
الأمر الثاني: أنت تهددني بقريش وأنهم قد جمعوا العوذ المطافيل وجمعوا جيوشًا ليحاربوني، لا، أنا أعلم بوضع قريش، قال: (وإن قريشًا قد نهكتهم الحرب وأضرت بهم) يعني: ليست قادرة على محاربة المسلمين، فقريش أضعف من أن تحارب، فقد عادت من الأحزاب في خزي واضح بعد أن فشلت في غزو المدينة المنورة، وقريش لم تحرك جيشًا واحدًا لقتال المسلمين في خلال السنة السادسة من الهجرة، مع اقتراب المسلمين أكثر من مرة من حدود مكة المكرمة.
إذًا: الرسول ﷺ يعلم القوة التي هو فيها الآن، ويفاوض من هذا الوضع القوي، ولذلك كلماته مسموعة وكلماته مرغوبة عند بديل بن ورقاء وعند القرشيين جميعًا، فقال هذه الكلمات: (وإن قريشًا قد نهكتهم الحرب وأضرت بهم، فإن شاءوا)، فبدأ يعدد عروضًا في منتهى الوضوح، فقد أعطاهم ثلاثة عروض ليختاروا منها ما يشاءون.
العرض الأول: (فإن شاءوا ماددتهم ويخلوا بيني وبين الناس) يعني: هذا العرض يقضي أن الرسول ﵊ يطلب من قريش أن تضع الحرب بينه وبينهم مدة من الزمان، وهذه المدة سنة سنتان ثلاث عشر، ويتركون ما بيني وبين الناس، أنا أدعو الناس وهم يدعون الناس، وكل واحد يتصرف دون خشية من الطرف الآخر أن يدخل معه في حرب.
فهذا العرض يفسر لنا أن ما حدث في صلح الحديبية من كون القرشيين يطلبون المعاهدة والمدة كان مطلبًا إسلاميًا في البداية؛ لأنه ﷺ هو الذي طلب هذه المدة؛ لأنه يعلم تمام العلم أن الدعوة في الجو السلمي أكثر إنتاجًا وأعظم تأثيرًا وأسرع إلى قلوب الناس منها في جو الحروب، لذلك كان يطلب ﷺ من قريش أن تضع الحرب بينها وبينه مدة من الزمان؛ ليسمح له فيها بالدعوة في كل مكان دون قتال.
العرض الثاني: (وإن شاءوا أن يدخلوا فيما دخل فيه الناس فعلوا)، يعني: لو أرادوا أن يسلموا ويبقوا مثلنا لهم ما لنا وعليهم ما علينا فعلوا ذلك، فنحن نرحب بهم في الإسلام.
إذًا: كون الرسول ﷺ يقول هذه الكلمات وهو بسلاح المسافر فهذا يدل على عزة الإسلام فعلًا.
العرض الثالث: (وإن أبوا إلا القتال فوالذي نفسي بيده لأقاتلنهم على أمري هذا حتى تنفرد سالفتي أو لينفذن الله أمره)، يعني: قتال إلى النهاية حتى الموت، فنحن لا نخشى القتال، بل نطلبه ونحبه؛ لأنه في سبيل الله ﷿.
والسالفة أي: الرقبة، فهذا كان وضع الرسول ﵊، كلمات في منتهى القوة، وعروض ثلاثة واضحة جدًا.
فقال بديل: سأبلغهم ما تقول، وأخذ العروض الثلاث وانطلق إلى مكة المكرمة، وعندما ذكر بديل هذه الأمور لزعماء مكة، كان المتوقع منهم أن يثوروا ويغضبوا، كيف يقول لهم ا
30 / 6