419

As-Sīrah an-Nabawiyyah

السيرة النبوية

وصول النبي ﷺ وأصحابه إلى الحديبية
لقد أكمل ﷺ الطريق إلى مكة المكرمة إلى أن وصل إلى مكان يعرف بالحديبية، ويوجد هناك بئر، وهذا الموضع قريب جدًا من مكة المكرمة، يقع بين التنعيم وبين مكة المكرمة، ويبعد التنعيم حوالي (٥) كيلو من مكة المكرمة، فهو ﵊ دخل في حدود مكة المكرمة نفسها، وأصبح الموقف شديد الحرج، ففي أي لحظة من اللحظات القادمة قد يحدث قتال عند إرادة دخول مكة المكرمة، لكن قبل دخول مكة المكرمة حدث أمر مفاجئ، حدث أن ناقة الرسول ﷺ توقفت عن المسير، فالصحابة اجتمعوا ليدفعوا الناقة إلى القيام وإكمال المسيرة إلى مكة المكرمة، وكان الجميع متحمسًا جدًا لدخول مكة المكرمة، ورفضت الناقة أن تقوم، فقال الصحابة: (خلت القصواء خلت القصواء) أي: امتنعت عن القيام وعن التقدم، فقال ﷺ: (ما خلت القصواء وما ذاك لها بخلق) يعني: ليس من خلق القصواء أن ترفض الأمر الموجه إليها، وما ذاك لها بخلق: (ولكن حبسها حابس الفيل) يعني: أنه ﷾ أراد لها ألا تتقدم، فهو أمر من الله ﷿ للناقة.
وقوله: (حبسها حابس الفيل) يعني: الفيل الذي كان يركبه أبرهة عندما أراد دخول مكة المكرمة، لكن الله أمره ألا يدخل، فوقف الفيل ولم يستطع أبرهة أن يدفع الفيل لدخول مكة، فهذا الأمر تكرر تمامًا مع الناقة النبوية.
وقد تكرر هذا الموقف مع الناقة قبل ذلك، ومن أشهر المواقف التي حدثت مثل ذلك: عند هجرة النبي ﷺ فقد ترك ﵊ الناقة تسير إلى أن استقرت في مكان ما، وقال للصحابة من الأنصار ﵃ وأرضاهم: (دعوها فإنها مأمورة)، فنفس الموقف يتكرر في الحديبية؛ بسبب هذا قال الرسول ﷺ كلمة مهمة جدًا، وستفسر لنا هذه الكلمة أمورًا كثيرة آتية بعد ذلك، ثم قال ﷺ بعد أن أحس وشعر أن هناك وحيًا واضحًا في هذه القضية، قال: (والذي نفسي بيده لا يسألوني خطة يعظمون فيها حرمات الله إلا أعطيتهم إياها)، يعني: أن الرسول ﵊ قرر أنه سيقبل بالصلح مع قريش، فهو ﵊ كان يشعر أن هناك وحيًا في هذه القضية لم يكن مباشرًا، لكنه فهمه من خلال وضع الناقة وعلم أنها مأمورة؛ وعلم أن الله ﷾ لا يريد قتالًا يتم بينه وبين قريش في ذلك الوقت، لذلك سيقبل ﵊ بأي خطة تعظم حرمات الله، فهو يشترط في الخطة أن تعظم حرمات الله، فلن يقبل بظلم على المسلمين، ولن يقبل بمخالفة شرعية ﷺ، فهذا أمر في غاية الأهمية.
إذًا: الرسول ﷺ كان يريد مصالحة وخطة ليس فيها قتال، وهذا أيضًا سيفسر لنا قبول الرسول ﵊ بصلح الحديبية بصورة واضحة؛ لأنه أمر مرضي له ﷺ.
وبعد بقاء المسلمين في منطقة الحديبية أرسلت قريش أحد الرسل؛ جاء لكي يحل المشكلة بين المسلمين وبين قريش، وهذا الرسول هو بديل بن ورقاء الخزاعي فهو ليس من قريش وإنما من قبيلة خزاعة، ومعروف أن قبيلة خزاعة حليفة للرسول ﷺ، والرسول ﵊ كان يحب خزاعة، وقريش لم ترسل رجلًا منهم، لم ترسل زعيمًا من زعمائهم يهدد ويتوعد، لا، لأن قريشًا تريد أن تعامل الرسول ﵊ بالسلم، وبنوع من الحسنى، وبتجنب القتال قدر المستطاع، ونحن قد نستغرب ونقول: كيف قبلت قريش العزيزة المنيعة القوية القبيلة الكبيرة المعظمة عند جميع قبائل العرب بلا استثناء، كيف تقبل هذه القبيلة الكبيرة بالجلوس مع الرسول ﵊ في طاولة المفاوضات، مع عدم الضغط المباشر على الرسول ﵊؟ أقول: إن الذي حصل في السنة السادسة من الهجرة أثر تأثيرًا كبيرًا على سلوك قريش، الذي حصل من سرايا وغزوات متتالية في العام السادس من الهجرة كان فيه رفع الراية الجهاد وإظهار الهيبة الإسلامية والعزة الإسلامية في كل مكان، فكل هذا كان له تأثير سلبي واضح على نفسيات قريش، وكان له تأثير معنوي إيجابي رائع جدًا عند المسلمين، مما جعل الموقف يكون بهذه الصورة.

30 / 5