412

As-Sīrah an-Nabawiyyah

السيرة النبوية

دور المنافقين في إذكاء الفتن بين المسلمين في غزوة بني المصطلق
لقد حدثت انتصارات سابقة كثيرة بعد غزوة الأحزاب، ورأى المنافقون هذه الانتصارات المكثفة فخرجوا في غزوة بني المصطلق ابتغاء الحصول على غنيمة، وفي غزوة بني المصطلق تسبب المنافقون في أكثر من أزمة، كادت كل واحدة منها أن تطيح بكيان الدولة الإسلامية، وصدق الله ﷿ إذ يقول في حق المنافقين: ﴿لَوْ خَرَجُوا فِيكُمْ مَا زَادُوكُمْ إِلَّا خَبَالًا﴾ [التوبة:٤٧] (خبالًا) يعني: اضطرابًا وضعفًا، ﴿وَلَأَوْضَعُوا خِلالَكُمْ يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ﴾ [التوبة:٤٧].
فهذا عين ما حدث في غزوة بني المصطلق، فقد تسبب المنافقون في فتن متتالية، كما قال الله ﷿ في كتابه الكريم: ﴿وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ﴾ [التوبة:٤٧] يعني: وقع المؤمنون الصادقون في أمور كثيرة بسبب المنافقين، حيث التبس الأمر على أكثر المؤمنين في هذه الغزوة.
وهذه الأزمات التي أثارها المنافقون في هذه الغزوة من الضخامة بمكان، فهي بحاجة إلى تحليل طويل وتدبر عميق، مما قد لا يتسع له المقام في هذه المحاضرة، لكن بإذن الله سنفرد لها حديثًا خاصًا في مجموعة أخرى من المحاضرات وقد نوهنا عنها قبل ذلك: وهي مجموعة الرسول ﷺ وأخطاء المؤمنين، سنجمع فيها كل الأخطاء التي وقع فيها الصحابة سواء في غزوة بني المصطلق أو في الغزوات الأخرى أو في السرايا أو في جميع السيرة النبوية، ونحلل فيها كيف كان رد فعل المصطفى ﷺ لعلاج هذه الأخطاء وهذه الأزمات.
وفي هذه المحاضرة إن شاء الله سنعرج سريعًا على هذه الفتن التي دارت في غزوة بني المصطلق.
الأزمة الأولى التي حدثت: كانت صراعًا قام بين المهاجرين والأنصار على السقاية من بئر من آبار المنطقة، وهذا الحدث نادر في السيرة، لعله الوحيد الذي حدثت فيه أزمة ضخمة بين المهاجرين والأنصار، وكانت أزمة كبيرة جدًا كادت أن تتفاقم لولا حكمة الرسول ﷺ في السيطرة عليها.
ثم إنه نجمت عن هذه الفتنة فتنة أخرى خطيرة جدًا وهي فتنة نداء المنافقين في أوساط الأنصار بأن يخرجوا المهاجرين من المدينة، وقال عبد الله بن أبي ابن سلول كلمته الفاجرة يعلق فيها على المهاجرين بقوله: والله ما نحن وهم إلا كما قال الأول: سمن كلبك يأكلك، أما والله لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل.
كانت أزمة خطيرة جدًا توشك أن تقضي على الأمة لولا أن الله ﷿ سلم.
وحدث بعد ذلك فتنة ثالثة خطيرة شنيعة أشد من الأولى والثانية: إنها حادثة الإفك، وفيها اتهم المنافقون السيدة عائشة أم المؤمنين ﵁ وأرضاها بالفاحشة، وللأسف الشديد وقع بعض المؤمنين في الأمر، واتسع نطاق الأزمة حتى شمل المسلمين كلهم ما بين مدافع ومهاجم، وما بين مبرئ ومتهم، ولم ينزل وحي في هذه القضية إلا بعد شهر كامل، فبعد شهر كامل نزل الوحي بتبرئة السيدة عائشة الطاهرة ﵁ وأرضاها من التهمة الشنيعة التي أثارها المنافقون، واشترك فيها كما ذكرنا بعض المؤمنين.
وحادثة الإفك هذه من أشد الأزمات التي مرت بالمسلمين في فترات السيرة النبوية، وهذه الأزمة خطيرة جدًا تحتاج إلى وقفات طويلة وتحليلات كثيرة، وانتباه إلى رد فعل رسول الله ﷺ، وتدبر في تعليق رب العالمين ﷾ للحدث كما في سورة النور.
إذًا: هذه قصة كبيرة جدًا تحتاج إلى تفريغ وقت وتدبر، وسنفرد إن شاء الله كما ذكرنا تفصيلًا في موضوع أخطاء المؤمنين.

29 / 11