... مع أن الله شرع لهم الشرع، وبيَّن لهم الأحكام فقد بدَّلوا وابتدعوا .. ، فأجرى الشرع الأحكام على ما هم عليه في بيعٍ وطعامٍ، حتى في اعتقادهم في أولادهم وبناتهم، سواءٌ تصرفوا في ذلك بشرعتهم أو بعصبيتهم، حتى قال مالك: يجوز أن يؤخذ منهم في الصلح أبناؤهم ونساؤهم، إذا كان الصلح للعامين ونحوهما؛ لأنهما مهادنة .. ، فراعى مالك اعتقادهم في الأولاد والنساء، كما راعى اعتقادهم في الطعام(١).
فإن قلتَ: ليس في هذا الدليل ونظائره أكثر من تصحيح تصرفات المسلمين مع غيرهم، لا تصحيحُ تصرّفات غير المسلمين؟ قلتُ:
هو مبنيٌّ على إثبات أملاكهم لما في أيديهم، وتصحيح تصرفاتهم، واعتبار آثار معاملاتهم، وليس المراد من هذا الأصل تجاههم أكثر من هذا!
وتأمّل النصوص البيّنة الآتية!
٢ - بوّب الإِمام البخاري - رحمه الله تعالی - في صحيحه قال:
((باب الشراء والبيع مع المشركين وأهل الحرب))، ثم روی بإسناده إلى عبد الرحمن بن أبي بكر - رضي الله عنهما - قال:
((كنّا مع النبي ﷺ، ثم جاء رجلٌ مشركٌ مشعانٌ طويلٌ بغنمٍ يسوقها، فقال النبي ﷺ: بيعاً أم عطيّةً، أو قال: هبةً، فقال: لا، بيعٌ، فَاشترى منه شاءً))(٢)
قال العلامة ابن بطال: ((معاملةُ الكفار جائزةٌ إلَّا بيعَ ما يستعين به أهل الحرب على المسلمين))(٣).
(١) أحكام القرآن ٥١٤/١ - ٥١٦ باختصارٍ، وتصرّفٍ يسيرٍ.
(٢) الصحيح مع الفتح ٤/ ٤١٠.
(٣) شرح صحيح البخاري/ لابن بطال ٣٣٨/٦، وباختصار مستفادٍ من الفتح ٤ /٤١٠.