المطلب الأول
القواعد قبل تدوين الفقه
من المنطقي أن تنشأ القواعد والضوابط الفقهيّة، بعد نشأة الفقه، وبعد تنوّع فروعه وكثرة مسائله، وبعد أن يثير ما تشابه منها انتباه الفقيه، ويحفّزه على البحث عمّا يربط بينها من المعاني، وما تدخل في إطاره من العلل.
والذي يبدو أن تلمّس تلك البداية، بما ورد عن النبي ﷺ لا يمثّل النشأة الحقيقية للتقعيد، ولا لظهور العلم الخاصّ بذلك. وليس معنى هذا أنّ نصوص الشارع من كتاب أو سنّة خالية من القواعد، بل هي القواعد الأساس في بناء الشرع، والمصدر المقدّم لاستنباط الأحكام والقواعد، على اختلاف أنواعها، وفيها من الكليّات الشيء الكثير. فمثل قوله تعالى: ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى﴾ [النجم: ٣٩]، وقوله: ﴿وَلَا تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [يس: ٥٤]، وقوله: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [الأنعام: ١٦٤، والإسراء: ١٥، وفاطر: ١٨، والزمر: ٧]، وقوله: ﴿لَا تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة: ٢٣٣]، يُعَدّ من القواعد الكبرى في الشرع، وينبني عليها، وعلى ما شابهها، ما لا يحصى من الفروع الفقهيّة. ومثل ذلك ما ورد عن النبي ﷺ من أقوال، عُدّت أساسًا لكثير من القواعد والضوابط الفقهيّة. وقد سبق لنا أن ذكرنا في كلامنا عن مصادر تكوين القواعد والضوابط الفقهيّة طائفة من أحاديث النبي ﷺ ممّا كان بعضها نصوص قواعد فقهيّة، أو مصادر استنبطت منها القواعد والضوابط والأصول. غير أنّ ذلك ليس هو ما نقصده هنا؛ لأنّنا نقصد إلى الكلام عن نشأة القواعد وظهورها على أنّها كذلك،