إنّ كتب الفقه شاهد، غير مدفوع، على قيام الفقهاء بالاعتماد عليها في مجال الاستنباط، أو التخريج، أو الترجيح، فهذا إمام الحرمين (ت ٤٧٨ هـ) الذي نقلنا عنه ما يمنع ذلك، بنى عشرات الأحكام في مختلف الأبواب على الأصول والقواعد، عند تعذّر النصّ، في كتابه «غياث الأمم في التياث الظلم»(١). وما قيل من المنع من البناء على القواعد الفقهية، من قبل بعض العلماء، لا يعني حسم الموضوع، فإنّ مثل هذه الأقوال وردت على ألسنة طائفة من العلماء حتى في القواعد الأصولية، لكنّ الراجح عند العلماء جواز ذلك، بشرط عدم وجود النصّ، والقدرة العلميّة لمن يتولّى هذا العمل(٢) وهذا الأمر نفسه نفرضه في القواعد الفقهية، وقد بنى العلماء على القواعد والضوابط الفقهيّة مالا يحصى من الفروع، كمثل ما بنوه على قاعدة تفريق الصفقة وغيرها.
واكتفي، هنا، بذكر مثال واحد يبيّن منهج العلماء في ذلك، والفائدة الممكن تحقيقها من التفريع على القواعد الفقهيّة.
ذكر علماء الحنفيّة أنّ الأصل عند محمد بن الحسن (ت ١٨٩ هـ) أنّه: «إذا اجتمعت الإشارة والتسمية في العقد، فإن كان المسمّى من جنس المشار إليه يتعلّق العقد بالمشار إليه، وإن كان من خلاف جنسه يتعلّق بالمسمى» وبيّنوا توجيه ذلك(٣).
وممّا ذكروه تفريعًا على هذا الأصل أنّه: إذا باع جارية، فإذا هي
(١) انظر على سبيل المثال: (ص ٣١٥، ٣١٦، ٣١٧، ٣٢٣، ٣٢٤، ٣٢٨، ٣٣٢، ٣٣٣) من الكتاب المذكور.
(٢) انظر كتابنا: «التخريج عند الفقهاء والأصوليين» (ص ١٠٠ - ١٠٢).
(٣) «الهداية» (١٥٢/١)، (٢٣٥/٣)، و«رد المحتار» (٤٢٦/١)، و«تبيين الحقائق» (١٥١/٢، ١٥٢).