433

Тафсир Баян ас-Саада

تفسير بيان السعادة في مقامات العبادة

بيان فى خلود اهل النار وعدم خلودهم

اعلم، ان المتشرعين من المتكلمين والفقهاء رضوان الله عليهم قالوا بدوام العذاب وخلود اهل النار الذين لا يدركهم شفاعة الشفعاء فى النار وفى العذاب واستدلوا على ذلك بظواهر الآيات والاخبار، وعلى هذا فالاستثناء من مدة الخلود باعتبار اولها نظيره ان يقال: حبست يوم الجمعة الا ساعة من اوله، فان اهل النار قبل دخول نار الآخرة معذبون فى البرازخ او غير مستفيقين من غشيهم واماتتهم بالنفخة الاولى وحالهم حينئذ كحال النائم والمغشى عليه، او الاستثناء من مدة الخلود باعتبار آخر المدة لكن بالنسبة الى من يدركه شفاعة الشافعين كأنه قال: الا ما شاء الله لمن شاء الله او الاستثناء من مدة الخلود باعبتار آخرها لكن المراد بالنار نار البرازخ المعبر عنها بنار الدنيا كما فى الاخبار، وتلك النار وان مكثوا فيها ما مكثوا لكنهم يخرجون عنها اخيرا الى نار الآخرة وسنحقق نار الدنيا ونار الآخرة وكذا جنان الدنيا وجنان الآخرة عن قريب ان شاء الله، وقد ذكر فى تصحيح الاستثناء وجوه اخر لا فائدة فى ذكرها ولا تليق بهذا المختصر. وبعض الحكماء من المشائين والاشراقيين قالوا بخلود النار وتسرمد العذاب على النوع بتعاقب الافراد واما الافراد فلا يتسرمد العذاب علهيم بل اما يصير العذاب عذبا كما قال بعض او يخرجون من الجحيم والنار الى النعيم، او يخرج بعضهم ويصير العذاب عذبا على بعضهم، واستدلوا على ذلك باصولهم المقررة عندهم من ان القسر لا يكون دائميا ولا اكثريا والا بطل الحكمة فى ايجاد القوة المقسورة واذا لم يكن القسر دائميا ولا اكثريا فان كان الانسان مخلدا فى النار فليبدل القوة المتألمة منه بقوة ملائمة للنار حتى يتسريح منها ويلتذ بها، او يخرج من النار ويصل الى ما يلائمه، واعتقد جمع من المتصوفة ايضا عدم تسرمد العذاب واستدلوا على ذلك باصولهم الذوقية وشواهدهم الكشفية من ان الرحمة ذاتية وسابقة على الغضب وشاملة للكل وان الغضب عرضى لا حق للمرحوم بالذات، والعرضى يزول والذاتى لا يزول فبعد مدة العذاب اللائق بحال المعذب يصير العذاب عذبا للكل كما قال بعض او يخرج المعذبون جميعا وينبت من قعر الجحيم والجرجير كما قال بعض، او يتسرمد العذاب على النوع بتعاقب الاشخاص وخروجهم تدريجا كما قال جمع، او يخرج بعض ويبقى بعض فى الجحيم ملتذا بنارها وحياتها وعقاربها مثل ما قال الحكماء، ولا اشكال فى الاستثناء على قولهم لكن هذا القول يشبه قول اليهود وقد كذبهم الله فى قوله:

لن تمسنا النار إلا أياما معدودة

[البقرة:80] { إن ربك فعال لما يريد } تعليل لسابقه.

[11.108]

{ وأما الذين سعدوا } قرئ بفتح السين وضمها من سعده الله بمعنى اسعده { ففي الجنة خالدين فيها ما دامت السماوات والأرض إلا ما شآء ربك } الاستثناء هنا باعتبار المبدأ كما سبق او باعتبار المنتهى لكن المراد بالجنة جنة الدنيا كما فى اخبارنا، فالمعنى { وأما الذين سعدوا ففي الجنة خالدين فيها ما دامت السماوات والأرض إلا ما شآء ربك } ان يخرجوا منها الى جنات المأوى ومقام الرضوان ويدل عليه التقييد بدوام السماوات والارض فانها باقية فى الجنات الدانية، واما جنات المأوى فليس فيها سماء ولا ارض ليس عند ربنا صباح ولا مساء ويدل عليه ايضا قوله { عطآء غير مجذوذ } فانهم ان خرجوا منها لا الى مثلها او ما فوقها كان العطاء مجذوذا لا محالة.

شرح فى عوالم البرازخ والمثال والآخرة

اعلم، ان الانسان من اول استقرار نطفته ومادة بدنه فى الخلع واللبس والموت والبعث فله فى كل آن موت وحشر وخلع لصورة ولبس لاخرى الى آخر حياته الدنيوية واول مماته الطبيعية، لكنه لما كان بنحو الاتصال التدريجى فى عالم واحد طبيعى خصوصا بعد تولده الى آخر عمره ولا يظهر على اهل الحس ظهورا غير مغفول عنه ما سموه فى الشريعة المطهرة موتا وحشرا، ويذهل اهل الحس عن تبدله وخلعه ولبسه مع انه مشهود معلوم لكل احد من حيث انه يشهد ان النطفة اضعف جماد ويعلم انه مادة البدن ثم يراها حيوانا ثم انسانا صبيا ثم مراهقا ثم شابا وكهلا وهرما، لكن خلعه البدن وانتقاله الى عالم آخر لما كان من عالم الى عالم ومن مادة طبيعية الى صورة اخروية مجردة ودفعة لا تدريجا صار ممتازا عما قبله منظورا اليه مسمى بالموت والارتحال كما ان خروجه من رحم امه وانفصاله منها لما كان دفعة وانتقالا من عالم الى عالم وخروجا من مضيق الرحم وظلماته الثلاث صار ممتازا منظورا اليه مسمى بالولادة؛ وبعد خروجه من بطن الدنيا ورحم غلاف البدن ومشيمة اغشية الاهواء، ولادته فى الآخرة له حالات وانتقالات وفى كل انتقال موت وحياة وخلع ولبس وقبر وبعث. فاول حالاته الاماتة التامة والغشى العام الحاصل بالنفخة الاولى ونفخة الاماتة ويمكث فى تلك الحالة ما شاء الله كما اشير اليه فى اخبارنا، وبعد ما يبعث من تلك الحالة بالنفخة الثانية ونفخة الحياة له حالات وانتقالات من صورة الى صورة بحسب ما اكتسبه فى الدنيا من الاعمال والاخلاق، فان كان من اهل الشقاوة يتقلب فى الصور الموذية والنار الدانية الى ان ينتهى الى نار الآخرة وان كان من اهل السعادة وكان عليه شوب من الاعمال السيئة والاخلاق الرذيلة يتقلب فى الصور المؤذية الى ان يتخلص منها الى الصور البهية، وان لم يكن عليه شوب من ذلك يتقلب فى الصور البهية الى ان ينتهى الى جنان الآخرة وجنة المأوى ويسمى عالم التقلبات برزخا بين عالم الطبع وعالم الآخرة وفى هذا العالم يكون ترقيات وتنزلات فى الآخرة، ونصوص الآيات والاخبار تدل على ذلك، وقرره العرفاء الشامخون والصوفية المكاشفون والعقل لا يأباه فلا اعتناء بما قاله بعض المتفلسفة من عدم الترقى والتنزل بعد الموت بناء على انكار عالم البرزخ والمثال او على انقطاع المادة والاستعداد وان الترقى والتنزل لا يكونان الا بالمادة والاستعداد.

اما عالم البرزخ المثال فقد أثبتته الآيات والاخبار وحققه المكاشفون الاخيار واحتج عليه الاشراقيون من الحكماء الابرار ومحل تحقيقه الحكمة العالية. واما انقطاع الاستعداد فمسلم لكن لا ينافيه ظهور المكسوبات بالاستعداد فى الدنيا بعد الموت بصور مناسبة لها متعاقبة لعدم سعة النفس لظهور الصور تماما واستجماعها دفعة حتى تنتهى الصور الى صورة لا خروج للنفس منها بحسب آخر اعمالها فى السعادة او الشقاوة، كما هو شأن اصحاب اليمين واصحاب الشمال، او تخرج النفس من عالم الصورة الى عالم المجردات الصرفة كما هو شأن المقربين، وهناك ما لا عين رأت ولا اذن سمعت ولا خطر على قلب بشر وخروجها الى عالم المجردات الصرفة لا ينافى سعتها وتنعمها بنعيم الجنان الصورية بحسب مراتبها النازلة وجنودها الدانية فان المقربين مشاركون لاصحاب اليمين فى لذاتهم الصورية وهم لا يشاركون المقربين فى لذاتهم المعنوية فالنفوس الانسانية بعد الموت والخروج من غلاف البدن مثلها بعد التولد والخروج من غلاف الرحم، فكما أنها بعد التولد تنمو وتشب بحسب بدنه وتخرج من الدنيا، كذلك بعد الموت تنمو وتشب وتخرج من عالم الصورة والمثال ان كانت من المقربين، او تخرج من البرزخ فقط وتقف فى صورة هى مقرها ان كانت من اصحاب اليمين او اصحاب الشمال سواء كان موتها اختياريا او اضطراريا، وبعد خروجها من عالم الصور الى عالم المجردات الصرفة وانتهائها الى صورة لا تتجاوز عنها يكون قيامتها الكبرى ودخولها فى مقامها من جنات عدن او الجنان الصورية بمراتبها او الجحيم بمراتبها، وقبل القيامة الكبرى تكون فى جنان الدنيا او فى نار الدنيا كما فى اخبارنا، وهما اللتان تكونان فى البرازخ قبل الوصول الى محل القرار؛ وقد فسر الجنة والنار فى هذه الآية بولاية آل محمد (ص) وولاية اعدائهم.

[11.109-110]

Неизвестная страница