490

عن المادة ، كما يدرك (3) أيضا معان غير محسوسة وإن كانت مادية ، فهذا النزع إذن أشد استقصاء وأقرب إلى البساطة من النزعين الأولين ، إلا أنه مع ذلك لا يجرد هذه الصورة عن لواحق المادة ، لأنه يأخذها جزئية وبحسب مادة مادة ، وبالقياس إليها ، ومعلقة (4) بصورة محسوسة ، مكفوفة (5) بلواحق المادة وبما يشاركه (1) الخيال فيها.

وأما القوة التي تكون الصور (6) المثبتة فيها ، إما صور موجودات ليست بمادية البتة ولا عرض لها أن تكون مادية ، أو صور موجودات مادية ، لكن (7) مبراة عن علائق المادة من كل وجه ، فبين أنها تدرك الصور بأن تأخذها أخذا مجردا عن المادة من كل وجه.

أما (8) ما هو متجرد بذاته عن المادة ، فالأمر فيه ظاهر ، وأما ما هو موجود للمادة ، إما لأن وجودها مادي ، وإما عارض له ذلك ، فتنزعها (9) عن المادة وعن لواحق المادة معه (10)، فيأخذه (2) (11) أخذا مجردا حتى يكون مثل الإنسان الذي يقال على كثيرين ، وحتى يكون قد أخذ الكثير طبيعة واحدة ، ويفرزه (12) عن كل كم وكيف وأين ووضع مادي ، ولو لم يجرده (13) عن ذلك ، لما صلح أن يقال على الجميع. فبهذا يفترق إدراك الحاكم الحسي ، وإدراك الحاكم الخيالي ، وإدراك الحاكم الوهمي ، وإدراك الحاكم العقلي ، وإلى هذا المعنى نسوق (14) الكلام في هذا الفصل.

فنقول : إن الحاس في قوته أن يصير مثل المحسوس بالفعل ، إذ كان الإحساس هو قبول صورة الشيء مجردة عن مادته فيتصور بها الحاس ، فالمبصر هو مثل البصر (15) بالقوة ، وكذلك الملموس والمطعوم وغير ذلك ، والمحسوس الأول بالحقيقة هو الذي ارتسم (16) في آلة الحس وإياه يدرك ، ويشبه أن يكون إذا قيل : أحسست الشيء الخارجي كان معناه غير معنى أحسست في النفس ؛ فإن معنى قوله : أحسست الشيء الخارجي ، أن صورته تمثلت في حسي. ومعنى أحسست في النفس ، أن الصورة نفسها تمثلت في

Страница 164