440

وجعله صدر الأفاضل حجة اخرى ، بل حجتين على تجردها لا يمكن أن يكون منشأ لذلك ، لأنه وإن دل على تجردها باعتبار أنه يدل على كونها ثابتة للإنسان بذاته ، مدركة له في جميع الأحوال ، مغايرة للبدن وجسميته وأجزائه ومزاجه وأعراضه وأعضائه وقواه ، ولكل ما يمكن أن يدرك بأحد الحواس الظاهرة أو الباطنة ، وأن الذات الكذائية لا تكون إلا مجردة عن المادة كما بيناه سابقا ؛ إلا أن هذا ليس مشتركا بين الإنسان وغيره من الحيوان ، حيث إن ثبوت تلك الحالة ، أي إدراك الذات بالذات ، والغفلة عن كل ما سواها ، وإن كان معلوما في الإنسان ، لكنه غير معلوم في غيره من أفراد الحيوان ، وإن لم يكن انتفاؤه أيضا فيه معلوما.

وظاهر أيضا أن البراهين التي أقاموها على تجرد النفس الإنسانية من جهة الإدراكات الكلية العقلية ونحو ذلك من الوجوه التي هي مختصة بالإنسان كما ذكر صدر الأفاضل نبذا منها وإن دلت عل تجردها ، لكنها ليست مشتركة بين الإنسان وغيره من الحيوان ، كما سيأتي بيانه فيما بعد في مقام إثبات تجرد النفس الإنسانية. والحال أنه ليس هنا دليل أو برهان غير ما ذكر يمكن أن يجعل دليلا على تجردها ، ومع ذلك يكون مشتركا بينهما كما يعلم من تصفح أدلتهم التي أقاموها على ذلك وبذلوا جهدهم فيها.

والحاصل أن ما يدل على التجرد ، فهو ليس بمشترك بينهما ، وما هو مشترك فليس يدل على التجرد ، فمن أين حصل لهم الظن المذكور؟ حتى اضطروا إلى ما التزموه ، فتارة أنكروا بقاء الذات فيما سوى الإنسان ، وتارة أثبتوا لغيره أيضا نفسا عقلانيا.

فإن قلت : إذا لم تكن النفس الحيوانية من حيث هي حيوانية مجردة أصلا ، فليس يمكن بقاؤها ، بل تكون فانية دائرة ، كالبدن وأجزائه ، حيث إن الادلة التي تدل على بقاء النفس كلها مبنية على تجردها ، كما عرفت بيانه فيما سلف من الأبواب. وعلى هنا ، فبأي طريق يمكن تصحيح المعاد في الحيوان وحشره ، كما نطق به الشرع الشريف ، والحال أن إعادة المعدوم ممتنعة؟

قلت : معاد الحيوان ليس ضروريا فى الدين كمعاد الإنسان ، حيث إن الآيات الواردة

Страница 112