439

بالفعل ولا بالقوة ؛ بل إنما مناط التكليف هو ما بعد تلك المرتبة من المراتب الحاصلة في الإنسان ، التي يترتب على جميعها ما يترتب على أصل التجرد ، ككونها باقية غير فانية ، حتى يمكن تصحيح المعاد في الأطفال والبله والمجانين وأمثالهم أيضا ، مضافا إلى ذلك كونها مناط التكليف ، إلا أن بعض تلك المراتب مناط التكليف بالقوة البعيدة ، كما في مرتبة العقل الهيولاني وبعضها مناطه بالقوة القريبة ، كما في مرتبة العقل بالملكة ، وبعضها مناطه بالفعل لو لم يكن مانع منه كما في المرتبتين الأخيرتين.

فحينئذ نقول : إن إثباتهم للحيوانات نفسا عقلانية بالمعنى الذي ذكروا ، إن أمكن تصحيحه على هذا الطريق ، من غير صعوبة أيضا في الفرق بين الإنسان وغيره في ذلك كما ادعوه ، إلا أنه يرد عليهم أنه ما الداعي إلى هذا الإثبات وإلى هذا الالتزام ؛ وما الذي اضطرهم إلى هذا القول ؛ فإن كان الداعي إلى ذلك قيام دليل على تجرد النفس مشترك بين الإنسان وغيره من أفراد الحيوان ، فيرد عليه أنه ليس هنا دليل كذلك ، فإن الحجة الأخيرة المذكورة التي هي مثلا منشأ لتوهمهم لذلك في زعمهم ، كما يدل عليه كلام صدر الأفاضل ، وإن كانت مشتركة بين الإنسان وغيره من أفراد الحيوان ، إلا أن دلالتها عل تجرد النفس غير مسلمة ، لأنه لا دلالة فيها أزيد من أن ذات الإنسان أو الحيوان بعينها باقية في جميع أزمنة وجودها ، وهي مغايرة لما يتبدل منهما من البدن وأجزائه وأعضائه وأعراضه. وهذا لا يستلزم كون تلك الذات مجردة عن المادة ، لاحتمال أن يكون جوهرا ماديا غير متبدل ، باقيا بعينه في جميع الأحوال ، إما داخلا في البدن ، أو خارجا عنه مجاورا له ، مثل الأجزاء الأصلية بعينها ، أو جسما بسيطا عنصريا ، أو جرما لطيفا سماويا باقيا بعينه. فمن أين يحكم العقل بتجردها واشتراك ذلك التجرد بين الإنسان وغيره من الحيوان ، حتى اضطرهم إلى إنكار بقاء الذات فيما سوى الإنسان تارة ، وإلى إثبات النفس العقلانية للجميع أخرى.

وظاهر أيضا أن ما ذكره الشيخ في الكتابين إشارة إلى إثبات إنية النفس الناطقة الإنسانية.

Страница 111