Махасин ат-Та'виль
محاسن التأويل
لأن من حكمة الله في خلقه : أن من اغتذى جسمه بجسمانية شيء اغتذت نفسانيته بنفسانية ذلك الشيء (1): الكبر والخيلاء في الفدادين أهل الوبر ، والسكينة في أهل الغنم. فلما جعل في الخنزير من الأوصاف الذميمة ، حرم على من حوفظ على نفسه من ذميم الأخلاق. نقله البقاعي.
وقد كشف لأطباء هذا العصر من مضار لحم الخنزير المبنية على التجارب الحسية غير ما قالوه القدماء. فمن مضاره : أنه يورث الدودة الوحيدة المتسبب من وجودها في الأمعاء أعراض كثيرة : كالمغص ، والإسهال ، والقيء ، وفقد شهوة الطعام أو النهم الشديد وآلام الرأس ، والإغماء ، والدوار ، واضطراب الفكر ، وعروض نوبات صرعية ، وتشنجات عصبية ، وإصابة مرض دودة الشعر الحلزونية الذي يفوق الحمى ، ويودي بحياة المصاب ... إلى غير ذلك من التعب وعسر الهضم ، ومضار سواها.
قال حكيم : فالإسلام لم يأت لإصلاح الروح فقط ، بل لإصلاح الروح والجسم معا ..! فلم يترك ضارا لأحدهما إلا ونبه عليه تصريحا أو تلويحا ... وقد بسط الحكماء المتأخرون الكلام على مضرات لحم الخنزير في مقالات عديدة.
وأما خبث المهل به لغير الله : فلأنه يرين على القلب ، لأنه تقرب به لغير موجده وخالقه تقرب عبادة ، وذلك من صريح الإشراك والاعتماد على غيره تعالى ؛ فكان خبثه معنويا لتأثيره على النفوس والأخلاق كتأثير المضر بالجسم والبدن ؛ والشرع جاء للحفظ عما يضر مطلقا ، ولصيانة مقام التوحيد.
ولما كان هذا الدين يسرا لا عسر فيه ولا حرج ، رفع حكم هذا التحريم عن المضطر. فقال ( فمن اضطر ) أي ألجأه ملجئ بأي ضرورة كانت إلى أكل شيء مما حرم بأن أشرف على التلف ، فأكل من شيء منه حال كونه ( غير باغ ) أي غير طالب له راغب فيه لذاته. من (بغى الشيء وابتغاه : طلبه وحرص عليه) ( ولا عاد ) أي : مجاوز لسد الرمق وإزالة الضرورة ( فلا إثم عليه ) وإن بقيت حرمته ، لأنه إذا تناوله حال الاضطرار لا يؤثر فيه الخبث لأنه كاره بالطبع.
Страница 477