Махасин ат-Та'виль
محاسن التأويل
( كنتم خير أمة ) [آل عمران : 110]. أو بمعنى كنت على تطلبها ، أي حريصا عليه ، وراغبا فيه. كما يفصح عنه قوله تعالى بعد ( قد نرى تقلب وجهك ) [البقرة : 144] الآية.
وعلى هذه الأوجه ، فتكون الآية بيانا للحكمة في جعل الكعبة قبلة. أو معنى التي ( كنت عليها ): قبل وقتك هذا وهي بيت المقدس . أي إنما شرعنا لك التوجه أولا إليه ثم صرفناك عنه إلى الكعبة ليظهر حال من يتبعك ، حيثما توجهت ، من غيره. فتكون الآية بيانا للحكمة في جعل بيت المقدس قبلة أولا.
ثم اعلم أن الحكمة هو التمييز بين الناس بقوله ( إلا لنعلم من يتبع الرسول ) في كل ما يؤمر به ، فيثبت عند تقلب الأحكام بما في قلبه من صدق التعلق بالله والتوجه له أيان ما وجهه ( ممن ينقلب على عقبيه ) أي يرتد عن دينه فينافق أو يكفر ممن كان يظهر الاتباع. وأصل المنقلب على عقبيه : الراجع مستدبرا في الطريق الذي قد كان قطعه منصرفا عنه. استعير لكل راجع عن أمر كان فيه من دين أو خير. قال ابن جرير : قد ارتد ، في محنة الله أصحاب رسوله في القبلة ، رجال ممن كان قد أسلم. وأظهر كثير من المنافقين من أجل ذلك نفاقهم. وقالوا : ما بال محمد يحولنا مرة إلى هاهنا ومرة إلى هاهنا؟ وقال المسلمون ، فيمن مضى من إخوانهم المسلمين وهم يصلون نحو بيت المقدس : بطلت أعمالنا وأعمالهم وضاعت. وقال المشركون : تحير محمد في دينه. فكان ذلك فتنة للمؤمنين وتمحيصا للمؤمنين. انتهى.
(لطيفة) العقبين تثنية عقب وهو مؤخر القدم. والانقلاب عليهما استعارة تمثيلية. وهذه الاستعارة نظير قوله تعالى : ( ثم أدبر واستكبر ) [المدثر : 23] ، وكقوله ( كذب وتولى ) [طه : 48].
(تنبيه) قال الراغب رحمه الله : ما وجه قوله ( إلا لنعلم ) وذلك يقتضي استفادة علم. ولم يزل ، تعالى ، عالما بما كان وبما يكون؟ (قيل): إن ذلك من الألفاظ التي لو لا السمع لما تجاسرنا على إطلاقها عليه تعالى. ومجاز ذلك على أوجه : (الأول) أن اللام في مثل ذلك تقتضي شيئين : حدوث الفعل في نفسه وحدوث العلم به. ولما كان علم الله لم يزل ولا يزال ، صار اللام فيه مقتضيا حدوث الفعل لا حدوث العلم. (والثاني) أن العلم يتعلق بالشيء على ما هو به. والله تعالى علمهم ، قبل أن يتبعوه ، غير تابعين. وبعد أن تبعوه علمهم تابعين. وهذا الجواب
Страница 422