598

Кашиф Амин

الكاشف الأمين عن جواهر العقد الثمين

{أمن يملك السمع والأبصار ومن يخرج الحي من الميت ويخرج الميت من الحي ومن يدبر الأمر{، فإن في هذه الجمل الخمس من الإيجاز والاختصار مع عدم الإخلال بشيء من المعنى المراد وإيراده على أبلغ الوجوه في الشمول والوضوح ومراعات النظير ورد الصدر على العجز فيما يحتاج إليه كقوله: {يخرج الحي من الميت ويخرج الميت من الحي{، وتركه فيما لا يحتاج إليه، والحذف فيما يلزم ليصح العموم معه في قوله: {ومن يدبر الأمر{، فيشمل كل أمر أي شأن من أحوال السماوات والأرضين أو الحيوانات أو النباتات أو النبوات أو الشرائع وجميع ما يتعلق به التدبير، وكذلك ما بعد هذه الآية إلى قوله: {فما لكم كيف تحكمون{ أتى فيها بصيغ المضارع ليناسب الجملة الأولة، لأن من شرط حسن العطف وصحته أن يعطف المضارع على المضارع والماضي على الماضي والأمر على الأمر فلا يقال: سيقوم زيد وقام عمرو أو وقم يا عمرو ، ثم ختم كل آية بالفاصلة المناسبة للجمل المذكورة فيها فقال في الأولى {أفلا تتقون{ أي أفلا تتقون عقابه حيث تعبدون من دونه أصناما لا تفعل شيئا مما ذكر من الرزق وما بعده، وقال في الثانية: { فأنى تصرفون{لما قال فيها {فذلكم الله ربكم الحق فماذا بعد الحق إلا الضلال{، فسمى نفسه عز وجل الحق، وسمى الأصنام الضلال، وسمى عبادته الحق وعبادة الأصنام الضلال، وإن لم تذكر العبادة فهي المرادة من إرسال الرسول بالمحاججة على التوحيد أولا لكونه شرطا في صحتها، ثم على استحقاقه تعالى إياها ثانيا لكونه المنعم بما ذكر في تلك الآية وغيرها من النعم، يدل على هذا قوله تعالى: {وما أرسلنا من قبلك من رسول إلا نوحي إليه أنه لا إله إلا أنا فاعبدون} [الأنبياء:25]،فلما سمى نفسه عز وجل أو عبادته الحق أو هما معا أو الأول في الأول والثاني في الثاني، سمى الأصنام أو عبادتها بالضلال، وكان المشركون لا يكادون يفارقون اعتقاد إلهية الأصنام وعبادتها مع عدم المقتضي لها بعد إقرارهم بأن الذي رزقهم وجعل لهم السمع والأبصار وأخرج الحي من الميت والميت من الحي ودبر الأمر هو الله تعالى لا غيره، فكان من حقهم ومن اللازم عليهم أن ينصرفوا عن عبادة الأصنام إلى عبادة الله تعالى وتوحيده في الإلهية فقال: {فأنى تصرفون{، وأتى فيه بصيغة المجهول ليدل على توغلهم وفرط محبتهم للأصنام وعبادتهم إياها حتى كأنهم أصنام لا ينصرفون عنها إلا بصرف صارف لهم عنها وكأنه أمر جبلي فيهم وخلقة كناية عن المبالغة في ذمهم وعنادهم ثم قال: {كذلك حقت كلمة ربك على الذين فسقوا أنهم لا يؤمنون} [يونس:33]، لما حكى عنهم في الآيتين التي قبلها أنهم لم يتقوا عقابه، ولم ينصرفوا عن عبادة الأصنام، حكم عليهم بالفسق وبعدم الإيمان، وأفاد أن هذا الحكم سنته وكلمته المحكوم بها على كل من فسق - إي أفحش في الخروج عن طاعته - وأن هذا الحكم حق منه عز وجل لا باطل ولا ظلم ولا جور ولا كذب فيه، فانظر إلى ما في هذه الآية من الحذف والتقدير والطي والنشر والاختصار والإيجاز والتشبيه والتأكيد وحسن السبك والمناسبة لما قبلها ومطابقة مقتضى الحال وعدم تنافر الكلمات والحروف وحسن التقفية والسجعة وغير ذلك مما اشتملت عليه مع قلة كلماتها وصغرها في ذاتها، ثم أعاد عليهم المحاججة على وجه وأسلوب آخر فقال عز من قائل: {قل هل من شركائكم من يبدأ الخلق ثم يعيده} [يونس:34]، ولما كانوا منكرين الإعادة لم يحسن هاهنا أن يقول فسيقولون الله نظرا إلى إقرارهم أن الله هو الذي يبدأ الخلق كما حسن في الآية السابقة فسيقولون الله لأنهم فيما ذكر في الآية السابقة لم ينكروا شيئا هاهنا هم مقرون بالبعض ومنكرون البعض الآخر، فلو قال فسيقولون الله لكذب الخبر، فقال معلما ومرشدا لكل من وقف على السؤال ومثبتا لرسوله في كيفية الاحتجاج بصحيح المقال: {قل الله يبدأ الخلق ثم يعيده{، والإعادة وإن كانت محل النزاع بينهم وبينه صلى الله عليه وآله وسلم فلا يصح أن يسلك فيها مسلك الدعوى المحض بقوله: {ثم يعيده{فقد قرنت بما يدل على صحتها قطعا وهم موافقون عليه وهو أنه تعالى يبدأ الخلق فنظم الجميع في سلك الجواب وقال: {قل الله يبدأ الخلق ثم يعيده{، فكما أنه لا سبيل لهم إلى إنكار بدء الخلق لا سبيل لهم إلى إنكار الإعادة لأن شأن الإعادة في جميع الأفعال أيسر من شأن البداية كما قال تعالى: {وهو الذي يبدأ الخلق ثم يعيده وهو أهون عليه} [الروم:27]، فقياس النشأة الأخرى على النشأة الأولى قياس جلي عقلي يكاد أن يلحق بالضروريات لعدم الفارق بل هو من باب الأولى، ثم قال: {فأنى تؤفكون{، فكيف تصرفون عنه تعالى وعن توليه إلى غيره؟ فانظر إلى بلاغة هذا الكلام وفصاحته وجزالة ألفاظه واشتماله على البرهان بأقرب بيان وأوضح تبيان وخروج الجواب على مقتضى الحال، ثم قال عز من قائل: {قل هل من شركائكم من يهدي إلى الحق قل الله يهدي للحق أفمن يهدي إلى الحق أحق أن يتبع أمن لا يهدي إلا أن يهدى فما لكم كيف تحكمون} [يونس:35]، فهذه والتي قبلها سمى الأصنام شركاء تنزلا لهم على زعمهم أنها آلهة مع الله مشاركة له في الإلهية لينبني عليه وجه المحاججة كأنه قال: سلمنا كونها شركاء فهل يصح منها أن تهدي إلى الحق ؟ لا يصح فلما كان تقدير الكلام هكذا صار كأنه قيل بعد ذلك فمن ذا يهدي إلى الحق ؟ فأجاب عن هذا السؤال بقوله:

Страница 126