فإن قالوا: فما وجهُ قوله: لَوْلَا كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (٦٨)؟
قيل له: معنى ذلك أنه لولا سبق حكمي وأمري بإطلاقِ أخذِ الفداء لكم وتحليلِ أكلِ غنائمِ المشركينَ من محاربتكم، وأنني فَّرقتُ
في ذلك بينَكم وبينَ من عداكم من الأمم السالفة، لنَا لكم ومسَّكم فيما
أخذتم عذاب عظيم، لأنه قد رُوي في السيرة وذَكرَ المُفسرون أنه لم تَحُل
الغنائم لأمةِ نبي قبل نبينا ﵇ وأمية قبلَ أمتنا، وأنّهم كانوا إذا أخذوا الغنائمَ حازوها ولم يردوها على المشركين، ولم ينتفعُوا بها ولكن يحرقُونها بالنار، فأكرمَ اللهُ هذه الأمةَ وزادَ في تفضيلهِ عليها، والتوسعة في أحوالها، لتحليله لها أخذَ الغنائمِ والانتفاعَ بها في وجوه التصرفِ من الأكلِ وغيرِه، فهذا تأويلُ قوله: (لَوْلَا كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ)، يعني سبَق حكمه بإطلاقِ ذلك.
فأمَّا قولُه تعالى: (فَكُلُوا مِمَّا غَنِمْتُمْ حَلَالًا طَيِّبًا)، فهذا هو
الدال على صحّة ما قلناه، من أنني قد أحللتُ لكم ذلك بعدَ أن كنتُ حرمتُه
على سائرِ الأممِ قبلكم، فسَلِمتم بأخذهِ مع التحليلِ بسَبْق الكتابِ به من
العذاب، ثم أكدَ تحليلَهَ وإطلاقَه وبيانَ الفرقِ في ذلك بينَنا وبينَ من سلف من
الأمم بقوله تعالى: (فَكُلُوا مِمَّا غَنِمْتُمْ حَلَالًا طَيِّبًا) أي: لستم في أكلِه ولحوقِ
مأثمٍ بكم فيه كمن قبلكم، ممّن حَرَّمتُ ذلك عليه، وإذا كان ذلك كذلك بان سقوطُ قدحِهم في القرآنِ بهذا الضربِ من الاعتراض.
2 / 764
المقدمة
تمهيد
(باب) (القول في بيان حكم بسم الله الرحمن الرحيم والناس والفلق، ودعاء القنوت وترتيب سور القرآن ونظم آياته وعددها والقول في أول ما أنزل منه وآخره)
(باب) الكلام في بيان الحكم في أول ما نزل من القرآن وآخره ومكيه ومدنيه، وهل نص الرسول ﵇ على ذلك أم لا
(باب) القوله في ببان حكم كلام القنوت، وما روي عن أبي من الخلاف في ذلك
(باب) القول في ترتيب سور القرآن وهل وقع ذلك منهم عن توقيف أو اجتهاد
(باب) الكشف عن وجوب ترتيب آيات السور وأن ذلك إنما حصل بالنص والتوقيف دون الاجتهاد
(باب) الكلام في المعوذتين والكشف عن ظهور نقلهما وقيام الحجة بهما، وإبطال ما يدعونه من إنكار عبد الله بن مسعود لكونهما قرآنا منزلا
الجزء الثاني
(باب) تعلقهم بالشواذ والزوائد المروية عن السلف رواية الآحاد، وبيان فساد تعلقهم بذلك
باب ذكر مطاعنهم في صحة القرآن ونظمه من جهة اللغة ووصف شبه لهم تجمع ضروبا من مطاعنهم على التنزيل والكشف عن إبطالها
(باب) الكلام في معنى التكرار وفوائده ونقض ما يتعلقون به فيه