Идах Таухид
إيضاح التوحيد بنور التوحيد لسعيد الغيثي
ثم قال له: اسأل حاجتك لنوافيك بها جزاء لعملك هذا، [فقال]: إن حاجتي صدور أمرك بالإذن لي في نسخ ديوان جابر بن زيد الموجود في مكتبك، فما توانى السلطان في إذنه بذلك، وقام نفاث فرحا بما ناله من الإقبال والفوز، وكان الحاضرون من وزراء السلطان وخواصه قد أدركهم من الجزع ما كدر راحتهم إذ رأوا السلطان مسايرا لنفاث في أمر الديوان، فقالوا له بعد خروج نفاث: كيف يصح لك يا أمير المؤمنين أن تأذن في نسخ الديوان وهو معدود من مهمات خزانتك وغرائبها، حيث إنه لا يوجد في غيرها قط، وهذا مما لا نرضاه منك! فتنبه إذ ذاك وندم وقال: إني قد وعدته ولا يمكن لي الرجوع في كلامي، فانظروا إلي وجها مناسبا لا يحط بشرفي وأمنعه به من ذلك، فقال له أحد الوزراء: إذا رجع إليك فأعلمه بأنك موف له بالموعد، إلا أن مدة النسخ لا يمكن أن تتجاوز يوما وليلة، فإنه إذا سمع منك ذلك ترك الطلب، لأن هذا القدر من الزمن لا يغنيه شيئا، فاستصوب السلطان هذا الرأي، وأرسل في الحال إلى نفاث يعلمه بذلك، ففطن نفاث لهذه المكيدة، وأدرك أن المسألة دبرت على إثر خروجه من عند السلطان، فرضي بالشرط وذهب فاشترى ما يكفيه بالتقريب مدادا وأقلاما [و]ورقا، وصنع أحواضا مجصصة بالجير، مصففة على هيئة يتمكن بها من الكتابة كل ناسخ، ثم أمر مناديه فنادى في المدينة بأن كل من يحضر الى المحل الفلاني في يوم كذا ويكتب طول يومه فله دينار، وللذي يملي عليه نصف دينار وغير خفي ما كان في ذلك العصر العامر بالأدب والعلم من الكتاب والقراء فاجتمع له خلق لا يحصى، وشرعوا في الكتابة إلى الليل، وقبل انتهاء وقت هؤلاء نادى المنادي أيضا بأن من يكتب ليلته هذه فله ديناران ولمن يملي عليه دينار، فبقي من الأولين من بقي، وخلف من ذهب غيره، واستمروا في الكتابة، وما طلعت الشمس حتى تم له نسخ تسعة أجزاء، وبقي له جزء واحد منعه السلطان من إتمامه لانتهاء الوقت المحدد المأذون به، فاستأذن عليه ودخل، فطلب منه أن يتصفحه مرة واحدة ويرده، فسلمه له، وبعد أن أتمه سردا قال له: قد حفظته وإن أردت أن أقرأه عليك لتعلم صدقي فعلت، فتعجب الخليفة من ذلك وأمره بقراءته، فقرأه إلى آخره بحيث لم يترك منه شيئا قط.
Страница 154