623

واستشكل بعضهم نقص ثواب المجاهد بأخذه الغنيمة وهو مخالف لما يدل عليه أكثر الأحاديث وقد اشتهر تمدح النبي صلى الله عليه وسلم بحل الغنيمة وجعلها من فضائل أمته، فلو كانت تنقص الأجر ما وقع التمدح بها، وأيضا فإن ذلك يستلزم أن يكون أجر أهل بدر أنقص من أجر أهل أحد مثلا مع أن أهل بدر أفضل بالاتفاق الخ. فذكر أجوبة لم يرتضها، إلى أن قال:

وقال عياض: الوجه عندي إجراء الحديثين على ظاهرهما واستعمالهما على وجههما ولم يجب على الإشكال المتعلق بأهل بدر.

وقال ابن دقيق العيد لا تعارض بين الحديثين بل الحكم فيهما جار على القياس لأن الأجور تتفاوت بحسب زيادة المشقة فيما كان أجره بحسب مشقته إذ للمشقة دخول في الأجر.

وإنما المشكل العمل المتصل بأخذ الغنائم يعني فلو كانت تنقص الأجر لما كان السلف الصالح يتبادرون عليها، فيمكن الجواب بأن أحدهما من جهة تقديم بعض المصالح الجزئية على بعض، لأن أخذ الغنائم أول ما شرع كان عونا على الدين وقوة لضعفاء المسلمين وهي مصلحة عظمى يغتفر لها بعض النقص في الأجر من حيث هو.

وأما الجواب عن من اشتكل ذلك بحال أهل بدر فالذي ينفي أن يكون التقابل بين كمال الأجر ونقصانه لمن يغزو بنفسه إذا لم يغنم أو يغزو فيغنم فغايته أن حال أهل بدر مثلا عند عدم الغنيمة أفضل من عند وجودها، ولا ينفي ذلك أن يكون حالهم هم أفضل من حال غيرهم من جهة أخرى، ولم يرد فيهم نص أنهم لو لم يغنموا كان أجرهم بحال من غير زيادة، ولا يلزم من كونهم مغفورا لهم وأنهم أفضل المجاهدين أن لا يكون وراءهم مرتبة أخرى.

وأما الاعتراض بحل الغنائم فغير وارد أن لا يلزم من الحل ثبوت وفاء الأجر لكل غاز، والمباح في الأصل لا يستلزم الثواب بنفسه، لكن ثبت أن أخذ الغنيمة واستيلاءها من الكفار يحصل الثواب مع ذلك، فمع صحة ثبوت الفضل في أخذ الغنيمة وصحة التمدح بأخذها لا يلزم من ذلك أن كل غاز يحصل له من أجر غزاته نظير من لم يغنم شيئا البتة.

Страница 298