540

هذا إذا كانت (الأمة) مرفوعة و(ربتها) منصوبة، وإن كان الإعراب على العكس -على بعده- فكأن يعتق مالك الأم وبنتها الأم، ثم يتزوجها حر ويشتري بنتها، فيخدمها إياها، وأما الإستيلاد، فليس من الأمارات وليس بمستغرب فالناس عليه متوارثون له كابرا عن كابر، وكذا تزوج الحر للأمة وولادتها له، وكذا العبد للحرة، وذلك واضح والله أعلم، إلا أني قد وقفت من بعد بأزمان على كلام لبعض المحدثين يدل على أن المراد هو الإستيلاد وهو حق مبين، وذلك أنه قال في معرض تعداد الأشراط (وقد تطاولت الرعاء في البنيان واستولدت الإماء منذ أزمان)، مما روي: أن هاجر أم إسماعيل أمة مستولدة إلى غير ذلك من الأشراط والفتن المأثورة في الصحاح والسنن، فلم يبق إلا الخسف والريح الحمراء والآيات الكبرى التي تترا، وطلوع الشمس من مغربها وخروج الدابة بإذن ربها وظهور المسيح الدجال، وتعاظم الكروب والآجال وأمثال ذلك من الأهوال وقواطع الأماني والآمال وإن هي إلى استقراب فهي مع هذا أقرب ومعتقدنا أنه الأرجح والأصوب، وهو إن كان متوارثا، فقد قال تعالى ?اقتربت الساعة? [القمر:1]، و?اقترب للناس حسابهم? [الأنبياء:1] ونحو ذلك مما يدل على إقتراب الساعة منذ بعثة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم ، ولذا قال صلى الله عليه وآله وسلم : «بعثت في نسيم الساعة»، ولأنه خاتم النبيين الموعود مبعثه في آخر الزمان، ثم أن مايستقبل من الزمان منذ بعثته صلى الله عليه وآله وسلم بالنظر إلى ما سبق ليس إلا شيئا نزرا كصبابة الإناء، وإذا كانت بقية الشيء وإن كثرت في نفسها قليلة بالإضافة إلى معظمه، كانت خليقة بأن توصف بالقلة وقصر الذرع، ثم أنه مقترب عند الله قال الله تعالى: ?وإن يوما عند ربك كألف سنة مما تعدون? [الحج:47] ثم إن كل آت وإن طالت أوقات استقباله وترقبه قريب، وإنما البعيد هو الذي وجد وانقرض، ولأن ما بقي من الدنيا أقصر وأقل مما سلف منها، على أن ذلك الوجه الأول هو الذي كان منا عليه فيما قبل المعول، ليس ببعيد من الصواب، وللقلب جنوح إليه واستقراب.

سؤال: وردت أخبار في المنع من كتابة الحديث، وأخبار في جواز

ذلك، وهي متكافئة، فلم عمل بأخبار الجواز دون أخبار المنع؟

الجواب: لا تكافؤ، فإن أخبار الجواز أكثر وأخبار المنع أقل،

إذ لم يرد في المنع في الكتب السنية فيما رأيناه إلا خبران، وورد في الجواز فيها خمسة أخبار وللكثرة حكم لا يجهل، مع أنه يمكن الجمع، فيكون المنع في صدر الإسلام قبل استقرار الشرائع والأحكام وقبل كمال نزول القرآن، لئلا يختلط الحديث به، فيقع الاشتباه، فتولد المفاسد من ذلك، والجواز من بعد، لحصول الأمن من الالتباس، ولاستقرار الشرائع ولكثرة الأحاديث، فلا تنضبط إلا بالكتابة وإلا ضاعت تلك العلوم العظيمة، وإذا كان الحفظ للأحاديث واجبا، ولا يتم أو لا يكمل إلا بالكتابة وجبت كوجوبه، فضلا عن الجواز، ولو تعادلت أخبار المنع والجواز لكان ما ذكرناه مرجحا للجواز، وهذا الجواب نظر منا ليس إلا، ثم رأينا في معالم السنن ما نذكره إن شاء الله.

قال: يشبه أن يكون النهي متقدما وآخر الأمرين الإباحة، وقد قيل أنه إنما نهي أن يكتب الحديث مع القرآن في صحيفة واحدة، لئلا يختلط به، فيشتبه على القارئ، فأما أن يكون نفس الكتاب محضورا وتقييد العلم بالخط منهيا عنه، فلا.

Страница 597