538

وتحقيقه: أن الخلق والنزول أمران، القبلية محتملة لكل واحد منهما على سواء، وخص النزول بها لقربه، ولأنه أسبق إلى الأفهام، والقبلية في الخلق أمر غامض لايعرف إلا بتوقيف، وحمل الخطاب إلى ماسبق إلى الأفهام من المخاطبين أولى، إلا أن يمنع منه مانع، ولامانع هاهنا، فثبت أن الظاهر النزول، وأيضا لو حمل على القبلية في الخلق لصح، إذ لادليل قاطع يدل على أن القرآن خلق قبل كتاب موسى، وقد احتج بعض المتكلمين بقوله ?ومن قبله كتاب موسى?[الأحقاف:12] على حدوث القرآن.

البحث الثالث: قال السائل: في أحكام القرآن في ذات بينها،

فيها ناسخ ومنسوخ، ومن شرط النسخ إمكان العمل بالمنسوخ، فإذا كانت كلها موجودة في حالة واحدة ناسخها ومنسوخها لم يمكن العمل، بكون التفسير في إمكان العمل والحال هذه، وما فائدة الجمع بين الناسخ والمنسوخ في وقت واحد؟ هذا مضمون سؤال السائل.

الجواب: أن النسخ لايثبت إلا بعد التكليف بالمنسوخ، وإمكان

العمل وانتهاء المصلحة فيه، وفي تلك الحال يجب النسخ، والتكليف به إن كان حكما، أعني الناسخ والمنسوخ، وهو بيان أمد الحكم الشرعي وانتهاء مدته، لا أن النسخ رفع للحكم الثابت، إذ لو كان رفعا، لكان بدا، والبدا لا يجوز على الله تعالى.

إذا تقرر هذا فالتكليف بالأحكام القرآنية إنما يكون بعد نزول القرآن، لا بعد خلقه، والنسخ أيضا لا يكون إلا بعد التكليف بالمنسوخ، والتكليف بالمنسوخ بعد النزول، وعند ذلك قد حصل التكليف بالمنسوخ وإمكان العمل، وورود النسخ بعد الإمكان، وأما فائدة الجمع بين الناسخ والمنسوخ في الخلق وقبل التكليف بهما، ففائدته مايحصل من اللطف للملائكة صلوات الله عليهم، كما قدمنا الكلام فيه، فهذا ما تحصل من جوابات المسألة.

قال السائل: في قوله تعالى ?إن كان وعد ربنا لمفعولا?

[الإسراء:108] ما(إن) وما (اللام)؟

Страница 594