495

وبعد أن تحكم أمره في التستر والتجلد يعالج نفسه ويفتقدها، وينظر في أسباب أسفها ووجدها، فإن تبين [له] (1) ذلك أو حصول مال واكتسابه أو غير ذلك مما يرفع إلى عرض الحياة الدنيا، لأنها على ذلك وشنعه عليها ووبخها عليه، وعرف أنها له عدو مبين، وأنها إنما تسعى في هلاكه حيث شاها بخصلة من ورطة كان فيها مهلكة، واشتغل بتقويم أودها، وصلاح فسادها ما هون على نفسه، بتأمل حال الدنيا والتفكر فيها، وما لا بد منه من انقضاء شهواتها، وبقاء تبعاتها، وسرعة فراقها، وانقطاع حلاوة مذاقها، وأنها كالطل(2) القالص، ونعيمها غير خالص، وإن وجد الباعث على ذلك الذي وقع معه فوات الأغراض الدينية المتعلقة بذلك العمل -وهذا مستبعد- فليسأل عليها بأن السعيد من كفي، وإن تحقيق التكليف من اللطف الخفي، وأن السلامة من الأخطار هو أبلغ المآرب والأوطار، ويستحضر قول بعض الشعراء:

على أنني راض بأن أحمل الهوى

وأخلص منه لا علي ولاليا

قال بعض الأئمة": ينبغي أن يكون العامل فيما وليه من الأعمال كالماشي على النار أحب شيء إليه الخروج منها.

ثم إن مما يلزمه، ويليق به، ويجمل بحاله، أن لا يتغير أمره وصفته فيما كان عليه من ود الإمام ونفعه، والاعتلاق به ، والجد في إعانته، فحيث أنه لم يرد على ما كان عليه من قبل الولاية لم ينقض منه، وينبغي له أن يعين من يخلفه في الولاية، ويحث على التسليم، ويزجر من امتنع من ذلك أو علق الأمر به، وأراد أن يقبض ما عنده على جاري العادة، فكثير ما يتفق مثل ذلك بجهل العوام وعدم تمييزهم، وميلهم إلى ما ألفوه واعتادوه ويعوزهم عن غير لك.

والدين النصيحة لله تعالى ولرسوله ولأئمة المسلمين، وكل مكلف مما يمكنه، وقيمة كل امريء ما يحسنه.

Страница 550