571

The Approach of Al-Qurtubi in Resolving Apparent Contradictions in Verses in His Book Al-Jami' Li-Ahkam Al-Qur'an

منهج القرطبي في دفع ما يتوهم تعارضه من الآيات في كتابه الجامع لإحكام القرآن

فقد أوْرَد القرطبي الْخِلاف في مَسْألَة الْمُسَافِر "إذا اقْتَرَن بِضَرُورَته مَعْصِيَة بِقَطْع طَرِيق وإخَافَة سَبِيل" … قال ابن العربي: وعَجَبًا مِمَّنْ يُبِيح له ذلك (^١) مع التَّمَادِي على الْمَعْصِيَة، ومَا أظُنّ أحَدًا يَقُوله، فإن قَاله فهو مُخْطِئ قَطْعًا.
ثم تَعَقَّبَه بِقَولِه:
قلت: الصَّحِيح خِلاف هَذا، فإن إتْلاف الْمَرء نَفْسه في سَفَر الْمَعْصِية أشَدّ مَعْصِيَة مِمَّا هُو فِيه. قَال الله تَعالى: (وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ) [النساء: ٢٩]، وهَذا عَامّ، ولَعَلَّه يَتُوب في ثَاني حَالِ فَتَمْحُو التَّوْبَة عَنه مَا كَان (^٢).
ومِن هَذا القِبِيل سِيَاقُه لِقَول ابن العربي: ولقد بَلَغَتِ الْجَهَالة بأقْوَام إلى أن قَالوا: يُقْتَل الْحُرّ بِعَبْد نَفْسِه، ورَوَوا في ذلك حَدِيثًا عن الْحَسَن عن سَمُرَة أنَّ رسول الله ﷺ قال: "مَنْ قَتَل عَبْدَه قَتَلْنَاه" وهو حَديث ضَعيف.
ثم رَدّ القرطبي تَضْعِيف ابن العربي للحَدِيث، فَقَال: هَذا الْحَدِيث الذي ضَعَّفه ابن العربي وهو صَحِيح: أخْرَجَه النسائي وأبو دَاود، وتَتْمِيم مَتْنِه: "ومَن جَدَعَه جَدَعْنَاه، ومَن أخْصَاه أخْصَينَاه". وقال البخاري عن علي بن المديني: سَمَاع الْحَسَن مِنْ سَمُرَة صَحِيح، وأخَذَ بِهَذا الْحَدِيث، وقال البخاري: وأنا أذْهَب إليه. فَلو لَم يَصِحّ الْحَدِيث لَمَا ذَهَب إليه هَذان الإمَامَان، وحَسْبُك بِهما (^٣).
كَما نَقَل عن ابن العربي بَعض أقْوَاله في تَوْجِيه الآي، ودَفْع التَّعَارُض الْمُتَوَهَّم، فقد دَفَع القرطبي التَّعَارُض الْمُتَوَهَّم في قَوله تَعالى: (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ فَقَالَ لَهُمُ اللَّهُ مُوتُوا ثُمَّ أَحْيَاهُمْ) [البقرة: ٢٤٣] حيث قال: قال ابن العربي: أمَاتَهُم الله تعالى مُدَّة عُقُوبَة لَهم ثم أحْيَاهم، ومَيْتَة العُقُوبة بَعْدَها حَيَاة، ومَيْتَة الأجَل لا حَيَاة بَعْدَها (^٤).

(^١) أي: الأكْل مِنْ المُحرَّمَات المذكورات في الآية.
(^٢) الجامع لأحكام القرآن، مرجع سابق (٢/ ٢٢٨، ٢٢٩).
(^٣) المرجع السابق (٢/ ٢٤٤).
(^٤) المرجع السابق (٣/ ٢٢٠).

1 / 571