546

The Approach of Al-Qurtubi in Resolving Apparent Contradictions in Verses in His Book Al-Jami' Li-Ahkam Al-Qur'an

منهج القرطبي في دفع ما يتوهم تعارضه من الآيات في كتابه الجامع لإحكام القرآن

أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ) الآيَة؟ أي: هي مَخْلُوقة لِمَنْ آمَن بِالله وعَبَدَه في الْحَيَاة الدُّنيا، وإن شَرَكَهم فيها الكُفَّار حِسًّا في الدُّنيا، فهي لَهم خَاصَّة يَوْم القِيَامَة، لا يَشْرَكُهم فِيها أحَد مِنْ الكُفَّار، فإنَّ الْجَنَّة مُحَرَّمَة على الكَافِرِين" (^١).
ثم أوْرَد مَا رَوَاه الطبراني عن ابن عباس قال: كانت قُريش يَطُوفُون بِالبَيت وهم عُرَاة، يُصَفِّرُون ويُصَفِّقُون، فأنْزَل الله: (قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ)، فَأمِرُوا بِالثِّيَاب (^٢).
واقْتَصَر ابن كَثير في آيَة "الأحقاف" على قَولِه: وقَوله ﷿: (وَيَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُوا عَلَى النَّارِ أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا وَاسْتَمْتَعْتُمْ بِهَا) أي: يُقَال لهم ذلك تَقْرِيعًا وتَوبِيخًا وقد تَوَرَّع عمر بن الخطاب ﵁ عن كَثِير مِنْ طَيِّبَات الْمَآكِل والْمَشَارِب، وتَنَزَّه عنها، ويَقُول: إني أخَاف أن أكُون كَالذِين قَال الله لهم (^٣) وقَرَّعَهم: (أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا وَاسْتَمْتَعْتُمْ بِهَا).
وقال أبو مِجْلَز: لَيَتَفَقَّدَن (^٤) أقْوَامٌ حَسَنَاتٍ كَانت لهم في الدُّنيا، فَيُقَال لهم: (أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا).
وقَوله ﷿: (فَالْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَبِمَا كُنْتُمْ تَفْسُقُونَ)، فَجُوزُوا مِنْ جِنْس عَمَلِهم، فَكَمَا نَعَّمُوا أنْفُسَهم، واسْتَكْبَرُوا عن اتِّبَاع الْحَقّ، وتَعَاطَوا الفِسْق والْمَعَاصِي؛ جَازَاهم الله ﵎ بِعَذَاب الْهُون، وهو الإهَانَة

(^١) تفسير القرآن العظيم، مرجع سابق (٦/ ٢٩١).
(^٢) المرجع السابق، الموضع السابق.
(^٣) في طبعة دار المعرفة (٤/ ١٧٢) زيادة: وبخهم.
(^٤) في طبعة دار المعرفة (٤/ ١٧٢): لَيَفْقِدَنّ.

1 / 546