والقَول الثَّاني: مَا حُكِي عن الحسن البصري أنه قَال: (قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى) مَعْنَاه: أن يَتَوَدَّدُوا إلى الله بِمَا يُقَرِّبُكم إليه مِنْ العَمَل الصَّالِح.
والقَول الثَّالث: مَا حُكِي عن الضحاك أنَّ الآيَة مَنْسُوخَة بِقَولِه: (قُلْ مَا سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ فَهُوَ لَكُمْ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى اللَّهِ)، وهَذا القَول غَير مَرْضِيّ عند أهْل الْمَعَاني، لأنَّ قَوله: (إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى) ليس باسْتِثْنَاء صَحِيح حَتى يَكُون مُخَالِفًا لِقَوله: (إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى اللَّهِ)، بَلْ هو اسْتِثْنَاء مُنْقَطِع، ومَعْنَاه: (قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا)، أي: مَالًا، وتَمَّ الكَلام، ومَعْنَى قَوله: (إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى): لكن صِلُوا قَرَابَتِي بالاسْتِجَابة لي، أوْ تَكُفُّوا أذَاكُم عَنِّي.
وفي بَعض التَّفَاسِير: أنَّ أهْل الْجَاهِلِيَّة لِمَا عَلِمُوا جَدّ النبي ﷺ ظَنُّوا أنه يَطْلُب مَالًا، فَجَمَعُوا له شَيئًا حَسَنًا مِنْ أمْوَالِهم، وقَالُوا: نُعْطِيك هَذا المال، وكُفّ عَمَّا أنْت عَليه (^١)، فأنْزَل الله الآيَة على الْمَعْنَى الذي قَدَّمْنَا.
والقَول الرَّابِع: مَا رَوي في بَعض الغَرَائب مِنْ الرِّوَايات بِرواية سعيد بن جبير عن ابن عباس أنَّ مَعْنَى قَوله: (إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى) أن تَوَدُّوا أقْرِبَائي وتُحِبُّوهم.
وحَكَى بَعضُهم أنَّ النبي ﷺ سُئل عن هَذه، وعن مَعْنَى القُرْبَى، فقال: علي وفاطمة وولدهما. وهذا أغْرب الأقَاويل وأضْعَفها" (^٢).
ومَعْنى آيَة "الطور" عنده: (أَمْ تَسْأَلُهُمْ أَجْرًا) أي: على تَبْلِيغ الرِّسَالة.
(^١) قال أبو طالب للنبي ﷺ: يا ابن أخي! إن بني عمك يزعمون أنك تؤذيهم في ناديهم ومسجدهم فانته عن ذلك. فحلق رسول الله بصره إلى السماء، ثم قال: هل ترون هذه الشمس؟ قالوا: نعم.
قال: ما أنا بأقدر أن أدع ذلك منكم على أن تستشعِلوا لي منها شعلة. فقال أبو طالب: ما كذَبَنا ابن أخي، فارجعوا. فرجعوا. رواه البزار (ح ٢١٧٠)، وأبو يعلى (ح ٦٨٠٤)، والطبراني (ح ٥١١)، وفي الأوسط (ح ٨٥٥٣)، والحاكم (ح ٦٤٦٧)، وقال الهيثمي في المجمع (٦/ ١٤): رواه الطبراني في الأوسط والكبير … وأبو يعلى باختصار يسير من أوله، ورجال أبي يعلى رجال الصحيح.
وهذا محتمل أن يكون هو المعني، فالقصة في مكة والآية مكية، إلا أنه ليس فيه ذكر للآية وسبب نزولها.
(^٢) تفسير القرآن، مرجع سابق (٥/ ٧٣، ٧٤).