438

The Approach of Al-Qurtubi in Resolving Apparent Contradictions in Verses in His Book Al-Jami' Li-Ahkam Al-Qur'an

منهج القرطبي في دفع ما يتوهم تعارضه من الآيات في كتابه الجامع لإحكام القرآن

وقَال في آيَة "النحل": قَوله تعالى: (إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا) أي: الإغْوَاء والكُفْر، أي: لَيْس لك قُدْرَة على أنْ تَحْمِلَهم على ذَنْب لا يُغْفَر، قاله سُفيان.
وقال مجاهد: لا حُجَّة لَه عَلى مَا يَدْعُوهم إلَيه مِنْ الْمَعَاصِي. وقِيل: إنه لَيس لَه عَليهم سُلْطَان بِحَال؛ لأنَّ الله تَعالى صَرَف سُلْطَانه عليهم حين قال عَدُو الله إبْليس لَعَنَه الله: (وَلَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (٣٩) إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ) [الحجر: ٣٩، ٤٠]، قَال الله تَعالى: (إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ) [الحجر: ٤٢]. قلتُ: قَدْ بَيَّنَّا أنَّ هَذا عَامّ يَدْخُلُه التَّخْصِيص، وقد أغْوَى آدَم وحَوَّاء ﵉ بِسُلْطَانِه، وقَد شَوّش على الفُضَلاء أوْقَاتَهم بِقَوله: مَنْ خَلَقَ رَبك؟ حسبما تقدم في آخر الأعراف بيانه (^١).
ثم بَيَّن القُرطبي مَعْنَى قَوله تَعالى: (إِنَّمَا سُلْطَانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ) أي: يُطِيعُونه، يُقَال: تَوَلَّيته، أي: أطَعْته، وتَوَلَّيت عنه، أي: أعْرَضْت عنه. (وَالَّذِينَ هُمْ بِهِ مُشْرِكُونَ) أي: بِالله. وقِيل: يُرْجَع بِه إلى الشَّيْطان. والْمَعْنَى: والذين هُمْ مِنْ أجْلِه مُشْرِكُون. يُقَال: كَفَرْت بِهذه الكَلِمة، أي: مِنْ أجْلِها، وصَار فُلان بِك عَالِمًا، أي: مِنْ أجْلك، أي: والذي تَوَلَّى الشَّيْطَان مُشْرِكُون بِالله (^٢).
وبيّن في تَفْسِير قَوله تَعالى: (وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ) [الأعراف: ٢٠٠] بيَان الوَسْوَسَة، ومَا شَكَاه الصَّحَابة ﵃ مِنْها، وأنَّ الْخَوَاطِر التي لَيْسَتْ بِمُسْتَقِرَّة ولا اجْتَلَبَتْها الشُّبْهَة أنّها تُدْفَع بالإعْرَاض عَنها، وعلى مِثْلِها يُطْلَق اسْم الوَسْوَسَة. وأوْضَح أنَّ "النَّغْز والنَّزْغ والْهَمْز والوَسْوَسَة سَوَاء" (^٣).

(^١) ستأتي الإشارة إليه إن شاء الله.
(^٢) الجامع لأحكام القرآن، مرجع سابق (١٠/ ١٥٦، ١٥٧) باختصار.
(^٣) انظر: المرجع السابق (٧/ ٣٠٥، ٣٠٦).

1 / 438