476

" مفاتح الغيب خمس لا يعلمهن إلا الله إن الله عنده علم الساعة "

، إلى آخر السورة.

{ لا يعلمهآ إلا هو } حصر أنه لا يعلم تلك المفاتح ولا يطلع عليها غيره تعالى، ولقد يظهر من هؤلاء المنتسبة إلى التصوف أشياء من ادعاء علم المغيبات، والاطلاع على علم عواقب أتباعهم، وأنهم معهم في الجنة مقطوع لهم ولأتباعهم بها يخبرون بذلك على رؤوس الاشهاد ولا ينكر ذلك أحد، هذا مع خلوهم عن العلوم الشرعية، يوهمون أنهم يعلمون الغيب. وفي صحيح مسلم عن عائشة رضي الله عنها: ومن زعم أن محمدا يخبر بما يكون في غد فقد أعظم على الله الفرية، والله تعالى يقول:

قل لا يعلم من في السموت والأرض الغيب إلا الله

[النمل: 65]. وقد كثرت هذه الدعاوي والخرافات في ديار مصر وقام بها ناس صبيان العقول يسمون بالشيوخ.

{ ويعلم ما في البر والبحر } لما كان ذكره تعالى مفاتح الغيب أمرا معقولا أخبر تعالى باستئثاره بعلمه واختصاصه به ذكر تعلق علمه بهذا المحسوس على سبيل العموم، ثم ذكر علمه بالورقة والحبة والرطب واليابس على سبيل الخصوص، فتحصل أخباره تعالى بأنه عالم بالكليات والجزئيات مستأثر بعلمه وبما نعلمه نحن. وقدم البر لكثرة مشاهدتنا لما اشتمل عليه من المدن والقرى والمفاوز والجبال والحيوان والنبات والمعادن، أو على سبيل الترقي إلى ما هو أعظم في الجملة لأن ما فيه من أجناس الحيوانات أعجب وطوله وعرضه أعظم، وما في البحر من حيوان وجواهر وغير ذلك. وعبر بلفظ ما التي هي لآحاد ما لا يعقل لكثرة أجناسه وأنواعه وأشكاله فشمل النوعين العاقل وغيره تغليبا لما لا يعقل. وقال سيبويه: ما مبهمة تقع على كل شيء. فظاهر كلامه أنها لا تختص بما لا يعقل.

و { من ورقة } من: زائدة. وورقة: فاعل بتسقط، ويعلمها مطلقا قبل السقوط ومعه وبعده، ويعلمها في موضع الحال من ورقة، وهي الحال من النكرة كما تقول: ما جاء أحد إلا راكبا.

{ ولا حبة } أتى بجزءين لطيفين: أحدهما علوي وهو سقوط ورقة من علو إلى أسفل، والثاني سفلي وهو اختفاء حبة في بطن الأرض.

{ إلا في كتب } الآية، هذا الاستثناء جار مجرى التوكيد لأن قوله: ولا حبة ولا رطب ولا يابس، معطوف على قوله: من ورقة، والاستثناء الأول منسحب عليها كما تقول: ما جاءني من رجل إلا أكرمته ولا امرأة، فالمعنى إلا أكرمتها، ولكنه لما طال الكلام عليها أعيد الاستثناء على سبيل التوكيد وحسنه كونه فاصلة رأس آية، والرطب واليابس وصفان معروفان والمراد العموم في المتصف بهما والكتاب المبين كناية عن علمه تعالى المحيط بجميع الأشياء.

[6.60-64]

ناپیژندل شوی مخ