تفسير کبير
التفسير الكبير
وبعث النجاشي بعد أن قدم جعفر المدينة ابنه أرهى بن أصحمة في ستين راكبا من الحبشة، وكتب إليه: يا رسول الله، إني أشهد أنك رسول الله صادقا ومصدقا، قد بايعتك وبايعت ابن عمك، وأسلمت لله رب العالمين، وقد بعثت إليك ابني، وإن شئت أن آتيك بنفسي، فعلت. والسلام عليك يا رسول الله. فركبوا سفينة في إثر جعفر وأصحابه، فلما بلغوا وسط البحر غرقوا.
وكان جعفر يوم وصل المدينة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وصل في سبعين رجلا منهم اثنان وستون من الحبشة، وثمانية من أهل الشام منهم بحيرا الراهب، قرأ عليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم سورة يس إلى آخرها، فبكوا حين سمعوا القرآن وآمنوا وقالوا: ما أشبه هذا بما كان أنزل على عيسى عليه السلام، فأنزل الله تعالى فيهم، { لتجدن أشد الناس عداوة للذين آمنوا اليهود والذين أشركوا ولتجدن أقربهم مودة للذين آمنوا الذين قالوا إنا نصارى } ووفد النجاشي الذين قدموا مع جعفر وهم سبعون.
وقال مقاتل والكلبي: (كانوا أربعين رجلا، اثنان وثلاثون من الحبشة، وثمانية من أهل الشام). وقال عطاء: (ثمانون رجلا، أربعون من أهل نجران، واثنان وثلاثون من الحبشة، وثمانية من أهل الروم من أهل الشام).
قال قتادة: (نزلت هذه الآية في النصارى الذين هم متمسكون بشريعة عيسى عليه السلام) يعني أن النصارى كانوا أقل مظاهرة للمشركين من اليهود، فقوله: (وإذا سمعوا) على هذا التأويل معناه: وإن منهم من إذا سمعوا، أو منهم قوم إذا سمعوا.
وفي الآية ما يشهد لهذا القول أيضا؛ لأن الله تعالى وصفهم بقرب مودتهم للمسلمين، ولم يصفهم بأنهم يوادون المسلمين، ولا يجوز أن يعتقد أحد أن في الآية مدحا للنصارى، وإخبارا أنهم خير من اليهود إلا في معنى شدة العداوة، لأن من أمعن النظر في مقالة اليهود والنصارى علم أن مقالة النصارى أظهر فسادا من مقالة اليهود، لأن اليهود يقرون بالتوحيد في الجملة، وإن كانت فيهم مشبهة تنقض القول بالتوحيد بالشبه، والنصارى لا يكونون مقرين بالتوحيد بوجه من الوجوه.
قوله عز وجل: { ذلك بأن منهم قسيسين ورهبانا }؛ معناه: إن قرب مودة النصارى للمسلمين،؛ وقلة مظاهرتهم للمشركين بأن من النصارى قسيسين؛ أي علماء وعباد أصحاب الصوامع، { وأنهم لا يستكبرون }؛ عن اتباع الحق إذا تبين لهم.
والقسيسين في اللغة مأخوذ من القس وهو الشر، يقال: قس فلان الأذى إذا تبعه، والقس: النميمة أيضا. والرهبان: العباد أصحاب الصوامع. وقال قطرب: (القسيس: العالم) بلغة الروم، والرهبان: جمع راهب مثل فارس وفرسان وركبان، وقد يكون رهبان واحد وجمعه رهابين مثل قربان وقرابين. وهو من قول القائل رهب الله أي خافه.
[5.83-84]
قوله عز وجل: { وإذا سمعوا مآ أنزل إلى الرسول ترى أعينهم تفيض من الدمع مما عرفوا من الحق }؛ قال ابن عباس: (هم أربعون رجلا قدموا مع جعفر ابن أبي طالب، واثنان وثلاثون من الحبشة، وثمانية من الشام، فلما قرأ عليهم النبي صلى الله عليه وسلم القرآن عرفوه، فرقوا له ففاضت أعينهم ولم يستكبروا أن يدخلوا في دينه).
ومعنى الآية: وإذا سمعوا القرآن ترى الدمع يسيل من أعينهم بمعرفتهم الحق من صفة محمد صلى الله عليه وسلم ونعته في كتابهم، { يقولون ربنآ آمنا }؛ أي صدقنا بوحدانيتك وكتابك ورسولك، { فاكتبنا مع الشاهدين }؛ أي مع من شهد من أنبيائك ومؤمني عبادك بأنك واحد لا إله غيرك؛ أي اجعلنا في جملتهم.
ناپیژندل شوی مخ