تفسير کبير
التفسير الكبير
قوله عز وجل: { وتلك الأيام نداولها بين الناس }؛ أي تارة لهم وتارة عليهم، وأدال المسلمون على المشركين يوم بدر، حتى قتلوا منهم سبعين وأسروا سبعين، وأدال المشركون يوم أحد، حتى جرحوا سبعين وقتلوا خمسة وسبعين. قال أنس بن مالك رضي الله عنه: (أتي رسول الله صلى الله عليه وسلم بعلي رضي الله عنه يومئذ، وعليه نيف وستون جراحة من طعنة وضربة ورمية، فجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يمسحها بيده وهي تلتئم بإذن الله فكأنها لم تكن).
قوله تعالى: { وليعلم الله الذين آمنوا }؛ بين الله عز وجل المعنى الذي لأجله يداول الأيام بين المؤمنين والكفار، فقال { وليعلم الله الذين آمنوا } معناه: ليرى من يقيم على الإيمان ممن لا يقيم؛ فيظهر المؤمن المخلص؛ والذي في قلبه مرض. وقال الزجاج: (معناه: ليعلم الله علم مشاهدة بعد ما كان علمه علم الغيب؛ لأن العلم الذي علمه الله قبل وقوع الشيء لا يجب به المجازاة ما لم يقع). وأما الواو في قوله: { وليعلم }: واو العطف على خبر محذوف؛ تقديره: { وتلك الأيام نداولها بين الناس } بضروب من التدبير، { وليعلم الله } المؤمنين متميزين من المنافقين.
وقوله تعالى: { ويتخذ منكم شهدآء }؛ أي يكرمهم بالشهادة، وقال بعضهم: معناه: ويجعلكم شهداء على الناس على معاصيهم لإجلالكم وتعظيمكم، ثم قال تعالى : { والله لا يحب الظالمين }؛ أي لا يفعل الله ذلك لحب الظالمين، فإنه لا يحب الظالمين، وفي هذا بيان أن الله لا ينصر الكافرين على المسلمين، إذ النصرة تدل على المحبة، والله لا يحب الكفار، ولكن قد ينصر المسلمين في بعض الأوقات على الكفار، وفي بعض الأوقات يكل المسلمين إلى حولهم وقوتهم لذنب كان حصل منهم، وإنما جعل الله الدنيا متقلبة لئلا يطمئن المسلمون إليها لتقلبها، ولكنهم يسعون للآخرة التي يكون نعيمها إلى الأبد.
[3.141]
قوله تعالى: { وليمحص الله الذين آمنوا }؛ معطوف على قوله
ويتخذ منكم شهدآء
[آل عمران: 140]؛ ومعناه: ويطهر الذين آمنوا من ذنوبهم، يقال: محصت الشيء أمحصه محصا؛ إذا أخلصته من العيب، ومحص الجمل يمحص محصا إذا ذهب عنه الوبر لكد العمل فصار أملس. قوله تعالى: { ويمحق الكافرين }؛ أي يعنيهم ويهلكهم وينقصهم؛ لأنهم يحتربون فيخرجوا للحرب مرة أخرى فيستأصلهم، وهذا تأويل مداولة الأيام.
[3.142]
قوله عز وجل: { أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يعلم الله الذين جاهدوا منكم ويعلم الصابرين }؛ معناه: أظننتم يا معشر المؤمنين { أن تدخلوا الجنة ولما يعلم الله } جهاد المجاهدين ولا صبر الصابرين واقعا فيهم مشاهدة، وهذا استفهام بمعنى الإنكار لظنهم وحسبانهم. قوله تعالى: { ولما يعلم الله } أي ولم يعلم الله، يقول الرجل لما يفعل معناه: لم يفعل؛ انضم إليه حرف (ما)، وقرأ الحسن (ويعلم الصابرين) بالكسر عطفا على قوله { ولما يعلم }. وأما قراءة النصب فهو نصب على الظرف؛ يعني على صرف آخر الكلام عن أوله على تقدير: وأن يعلم الصابرين، وهو قول الكوفيين. وأما البصريون فيسمونه نصبا على الجمع. قال الشاعر:
لا تنه عن خلق وتأتى مثله
ناپیژندل شوی مخ