تفسیر صدر المتألهین
تفسير صدر المتألهين
والحق في تفسيره أن يقال: لما تقرر وسبق إليه الإشارة: أن المراد من هذا العهد هو النور النبوي الرباني المعبر عنه بالأمانة المعروضة على السماوات والأرض، الذي كلف الإنسان بتحمله، وكان ذلك النور محتجبا بالحجب الكونية في أوائل الخليقة، ثم لا يزال يظهر شيئا فشيئا بحسب ارتفاع الحجب الظلمانية والنورانية في كل زمان، وخروج النفوس الإنسانية من حدود القوة إلى حدود الفعل في كل أوان، حتى ظهر بعض ذلك النور في زمن سائر الأنبياء كإبراهيم، وموسى، وعيسى (عليهم السلام)، وظهر تمامه في زمن خاتم الأنبياء عليه وآله السلام.
فإيفاء العبد بهذا العهد هو معرفة هذا النور الذي أنزل الله على قلب رسوله (صلى الله عليه وآله)، بل هو بالحقيقة رسول الله، كما دل عليه قوله:
قد جآءكم من الله نور وكتاب مبين
[المائدة:15].
فالنور هو لوح ضميره الذي هو نور من أنوار الله، وسر من أسراره. وأما الكتاب فهو كلام الله النازل عليه، الدال على معرفة الحق الأول، وآياته، وملائكته، وكتبه العقلية، والنفسية، وأحكامه القضائية والقدرية، وكيفية تعلق علمه وقدرته بجميع الموجودات، وكيفية عنايته وحكمته في خلق السماوات والأرض وانبساط نور وجوده على صفحات الماهيات، وهياكل الممكنات، ومعرفة المعاد، وكيفة حكمه برجوع الأشياء كلها يوم القيامة إلى الواحد القهار، والإيمان بجميع هذه المعارف إيمانا يقينيا شهوديا.
فمن آمن بهذه المعارف إيمانا بالغيب مع إصلاح الجزء العملي من القلب فقد سعد ونجا من العذاب، ومن عرفها عرفانا شهوديا راسخا فقد فاز فوزا عظيما، وكاد أن يكون من المقربين مشاهدا لما هو الخير المطلق، والحسن المطلق، والجمال المطلق الحق منخرطا نوره في سلك نوره.
وأما إيفاء الله عهد العبد فهو إفاضة أنوار الرحمة عليه في كل مرتبة من مراتب عبوديته، وبحسب كل مقام من مقامات سلوكه إلى الله، حتى إذا قطع المنازل والمراحل الحسية، والخيالية، والعقلية، وبلغ الحد الأقصى فاض عليه من نور جماله الأزلي، وصيره من المحبوبين بعدما كان من المحبين، وجعله من الواصلين إلى العين، بعد ما كان من السامعين للأثر، فصار علمه عينا، وإيمانه عيانا، وقراءته قرآنا، وكلامه متكلما.
فصل
قوله: { وإياي فارهبون }
معنى " الرهبة " هو الخوف والخشية، وهي حالة تحدث في القلب من قبيل الخواطر، وكذا الرجاء.
ناپیژندل شوی مخ