تفسیر صدر المتألهین
تفسير صدر المتألهين
ومثال آخر: الحديدة الحامية بالنار، حيث إنها لا تزال تتقرب وتشبه بالنار حتى تزول عنها الهوية الحديدية، وتصير فانية في هوية النارية، وتفعل فعلها من الإحراق والإضاءة.
فلا تتعجب من النفس إذا استشرقت بنور الله، واتصلت بعالم الربوبية، وتخلقت بأخلاق الله، ففعلت ما فعلت بقدرة الله - لا بقدرتها - وسمعت بسمع الله، وبصرت ببصره، فلها أن تقول: " من رآني فقد رأى الحق ".
وهذا تحقيق قوله: " تخلقوا بأخلاق الله " وقوله تعالى:
" لا يزال يتقرب العبد إلي بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته كنت له سمعا، وبصرا، ويدا، ومؤيدا. فبي يسمع، وبي يبصر، وبي ينطق، وبي يبطش، وبي يمشي ".
فصل
قوله تعالى: { وأوفوا بعهدي }
هذا العهد هو عهد الإقرار بالربوبية المأخوذة عن الفطرة وهو الإيمان بالله وبتوحيده على وجه يستعلم من دين محمد (صلى الله عليه وآله)، والطاعة له ولرسوله، فإن الإيمان بالله واليوم الآخر من العبد، وتقربه إلى الحضرة الإلهية كان متدرجا في الاستكمال من ابتداء الخلق إلى بعثة محمد (صلى الله عليه وآله)، فعند بعثته (صلى الله عليه وآله) بلغ إلى حد الكمال الذي لا أكمل منه،. والتمامية التي لا غاية فوقها، كما قال تعالى:
اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي
[المائدة:3]. أي: دين الإسلام ونعمة الإيمان.
فهذه النعمة التامة الإيمانية هي بعينها من جنس النعمة التي أمر الله بني إسرائيل بتذكرها، ليعلموا من تذكرها أن كمالها وتمامها لا يكون إلا بهذه الملة البيضاء المحمدية، والنعمة الحقيقية الإيمانية، فإن درجات المعرفة بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر كانت متفاوتة في كل زمان بحسب الكمال والنقص، والقوة والضعف، وكلما قرب من عصر نبينا (صلى الله عليه وآله) كانت أكمل، وأقوى، وأنور، وأصفى. فكانت هذه المعارف في الأمم السابقة على هذه الأمة - الذي هم خير الأمم - مشوبة بالحس، والخيال، والوهم، والعقل.
ناپیژندل شوی مخ