تفسیر صدر المتألهین
تفسير صدر المتألهين
وحاصل القول: أن العناية الإلهية قد جرت في الأزل وتعلقت بهبوط النفس الإنسانية من عالم الأرفع النوري إلى الهيكل المزاجي الانسي، بواسطة وجود الاعتدال فيه، الذي هو ضرب من الوحدة الحقيقية وظل منها.
فنزلت النفس من جو الفضاء العقلي، والمصعد الأعلى السماوي إلى مستوكر البدن الظلماني على سبيل الكراهة والصعوبة، لأن مفارقة الوطن الأصلي - سيما عالم القدس النوري - تكون صعبة، ومجاورة الأضداد والأعداء أصعب منها. لكن بحكم التقدير الأزلي والقضاء الإلهي - حيث لا مرد لقضائه ولا مانع لحكمه - فارقت العالم الأعلى كرها وتعلقت بالمستوكر الأدنى جبرا وقهرا. وانفصلت عن الطهارات والتقدسات الروحية النورية، وتعلقت بالأدناس، والألواث البدنية، والقاذورات الطبيعية وهبطت في مقر السعير الظلماني، ومهوى الحضيض الجسماني، والجحيم النفساني، مقيدة بالسلاسل والأغلال في سجون التعلقات، أسيرة بأيدي الشياطين والأغوال لشجون الأوهام والخيالات، محترقة بنيران الشهوات، ملسوعة بسموم العقارب والحيات.
فلما قيدت كالحمامة بشبكة البدن وحبوب القوى، أنست بها بعد ما كرهتها وألفت بها بعدما أنفت، ونسيت عالمها بعد ما ذكرت، كما قال تعالى:
فنسي ولم نجد له عزما
[طه:115]. وقوله:
نسوا الذكر
[الفرقان:18]. وقوله:
نسوا الله فنسيهم
[التوبة:67]. ورضيت بهذه الحياة الدنيا واطمئنت بها ويئست من الآخرة، وأخلدت إلى الأرض، واتبعت هواها، كما قال تعالى:
إن الذين لا يرجون لقآءنا ورضوا بالحياة الدنيا واطمأنوا بها والذين هم عن آياتنا غافلون
ناپیژندل شوی مخ