تفسیر صدر المتألهین
تفسير صدر المتألهين
و " المحل الأرفع ". هو العالم الأعلى النوري المجرد بالكلية عن ملابسة الأجساد، وهو أرفع درجة ومكانة من عالم الجنان، لأن الجنة جسمانية، وعالم النور المحض مجرد عقلي.
وقد سبق أن النفس الآدمية كان معدنها الأصلي أولا عالم العلم الإلهي، والقضاء الرباني حيث كان مقدرا في علمه تعالى، أنه جاعل في الأرض خليفة، والعلم بالشيء هو نحو من وجود ذلك الشيء، ثم نشأت بقدرته تعالى في عالم الأرواح العقلية حينما صارت منفوخا فيها روح الله، ومسجودا لملائكته، ثم سكنت بأمر الله في الجنة، وتناولت من ثمارها وأشجارها، ثم هبطت بعد ذلك إلى القالب، وبالقالب إلى هذا العالم.
و " الورقاء " حمامة خضراء يشبه لونها لون السماء. شبه النفس الإنسانية بالورقاء لكثرة استئناسها بصورة الإنسان، وشدة ميلها بالعود إلى المحل المعتاد الذي يتحقق به المعاد، وأصل التشبيه لها بالطير مطلقا لصفة تجردها عن البدن، وهو بمنزلة القفص للطير، والمشابهة لصفة الطيران. وإنما شبهت بالطائر الأخضر اشعارا بأنها من عالم السماء وقد ورد في الحديث:
" إن الأرواح بعد البدن تكون في قوالب طيور خضر "
وورد أيضا في الحديث:
" إنها في قناديل معلقة تحت العرش ".
ويمكن أن يكون المراد بالأرواح ما هو أرفع من النفوس، وهي العقول. والمراد من الطيور الخضر النفوس التي في عالم البرزخ، ومن القناديل المعلقة تحت العرش ما هي بمنزلة الأبدان هناك، وهي المثل المعلقة في عالم الأشباح المثالية.
و " الكاف " في قوله: " إليك " إن أريد بها نفسك، فالمراد من " الورقاء " الروح. ومن " المحل الأرفع " عالم القدس العقلي، وإن أريد بها بدنك، فالورقاء هي النفس، والمحل الأرفع هو عالم الجنة، والثاني أنسب بما بعده.
و " السفر " في قوله: " سفرت " كشف الوجه. و " التبرقع " ستره. وتقديم لفظ " الكل " عليها لرعاية الوزن. والمراد منه: أن النفس لتجردها محجوبة، متبرقعة عن الأبصار، ولنوريتها واسفرار وجهها مكشوفة، على البصائر و " هي ذات تفجع " أي: ذات جزع وفزع.
و " البلقع " أي: الخالي. والمراد به عالم الأجسام، لخلوها في نفسها عن الصور والهيآت، لأنها فائضة عليها من عالم العقل والنفس. أو البدن فإنه من حيث هو خراب خال عن القوى الروحانية، والنفسانية.
ناپیژندل شوی مخ