تفسیر صدر المتألهین
تفسير صدر المتألهين
فقال في الجواب: " اعلم إنا جئنا إلى هذا العالم من ذلك العالم. وحد هذا العالم من فوق فلك البروج سدرة المنتهى، تحت الفلك المستقيم إلى هذه الأرض وحد ذلك العالم من فوق الفلك المستقيم إلى تحت مرتبة القلم الإلهي، وهو العقل الكلي. ومجيئنا من ذلك العالم إنما هو من الجنة، جنة الله التي هي حظيرة القدس التي بها قدس المقدسون، وتلك هي فوق ذلك العالم.
فأما هذا العالم فهو دار عمل، وذلك العالم دار حساب والجنة هي دار جزاء المحسنين.
واعلم إنا جئنا من جنة القدس إلى ذلك العالم، ومن ذلك العالم إلى هذا العالم، ومن هذا العالم نذهب إلى فلك البروج، ومن فلك البروج نذهب إلى ذلك العالم الذي هو موضع الحساب، ومن موضع الحساب يرجع من أحسن عمله إلى جنة الله، وبقي بقاء سرمديا، ويبقى من أساء عمله تحت ذل الطبيعة، ونار الجحيم في دار جهنم،
ما دامت السماوات والأرض إلا ما شآء ربك إن ربك فعال لما يريد
[هود:107].
واحتاجوا إلى العمل من غير إرادة منهم، ليصلوا إلى الصور الموافقة لأرواحهم في الجنة، وهم ينالون من تلك الصور التي في الطعام والشراب لذة، ويجدون سكونا إلى الدنيا تحت الطبع والطبيعة.
وكذلك يكونون في قيد الطبيعة، يدخلون كارهين من غير إرادة تحت قيد العقل الذي بذره العقل العملي الذي جاء به الرسل (عليهم السلام) مما يشهد به شرائعهم حتى تستأنس النفس، وتطمئن بتلك الصور العملية، والعقلية، وتجد بها قرارا ، لأن أصلها أيضا من جنة الله تعالى، وبتلك الاستفادة يضيء لها طريق الصراط وقت ذهابها إلى معادها، ويخف حسابها، وتثقل موازينها.
فقد تبين الآن أن البشر بتقدير الابتداء، ومقام الاباء، فوق العقل والطبع، لكنهم اليوم محبوسون تحت الطبيعة، مقيدون بالعقل العملي، وخلاصهم يكون عند إطلاقهم عن وثاقهم، وخروجهم عن قيد العقل، وليس يخلصون عن قيد العقل إلا حين يخرجون من سجن الطبع والطبيعة. وهذه معان منغلقة يفتحها الشرع للمستحقين، وإنها محرمة على الجاهلين.
ثم سئل مسألة ثانية هي: إنا لأي شيء جئنا إلى هذا العالم، بعد أن كنا مغبوطين؟
فأجاب: إعلم إن مجيئنا إلى هذا العالم لم يكن باختيارنا وإرادتنا، لكن بالقهر جئنا، وبالقهر نمسك، وبالقهر نخرج. وإنا جئنا للتمحيص، والتطهير
ناپیژندل شوی مخ