تفسیر صدر المتألهین
تفسير صدر المتألهين
ويجب أيضا أن لا يكون المتعلق بالبدن سببا قريبا لتكميل النفوس المستعدة، إلا على سبيل الاعداد والتعليم البشري، دون الافاضة والتكميل العقلي، كالمعلم من البشر إذا حاول التعليم، يعد نفس المتعلم لأن يقبل ما يلهمه المعلم العقلي الروحاني الذي هو عقل بالفعل، ويفيض عليه من عالم الغيب كماله الحقيقي.
ولو كان المتعلق بالبدن ما دام كذلك، سببا مفيضا على النفوس صورا عقلية لكان متساوي النسبة إلى الكل، وكيف يكون من تعلق ببدن خاص وتعمل بتوسط آلاته قواه، متساوي النسبة إلى جميع الخلائق أجمعين حاضرهم وغائبهم، أولهم وآخرهم.
نعم انتهاء النفوس الإنسانية يكون لا محالة إلى نفس شريفة هي أكملها، وأقبلها للفيض العلوي العقلي، ثم الإلهي؛ بحيث - وهي بعد في عالم البدن - قد صارت متجاوزة بحسب قوة انفعالها عن المبادئ بل عن البادئ، عن حدود النفوس إلى حدود العقول، بل إلى الطبقة العالية منهم - لا بما هي نفس، ولا حين ما هي في هذه الحياة الدنيا - بل من حيث المقام العقلي الذي ستنقلب إليه بعد الخروج عن زيارة هذه المقابر الحسية.
وبالجملة قد يكون من النفوس الإنسانية ما قد انقلب باطنها إلى رتبة العقول فصارت عقولا بالفعل، بمعنى أنها متى خرجت من قالب هذا الأدنى وصلت إلى مقامها الأعلى.
ومن هذه العقول الإنسانية ما هو أفضل الأفاضل، ومقامه أعلى المقامات العقلية، وقوته القدسية أشرف القوى القدسية، يكاد زيت قوته القدسية يضيء بنور ربها، ولو لم تمسسه نار العقل الفعال، فلما مسها صار نورا على نور يهدي الله لنوره من يشاء كما قال جل اسمه:
يأيها النبي إنآ أرسلناك شاهدا ومبشرا ونذيرا وداعيا إلى الله بإذنه وسراجا منيرا
[الأحزاب:45 - 46].
الأصل الثامن: إن الموجودات الممكنة الصادرة عن الحق، لا بد وأن يقع منها سلسلتان: سلسلة البدو والصدور، وسلسلة العود والرجوع. ولا بد أن تكونا متكافئتين عكسا.
أما سلسلة البدو، فمما لا شبهة في تحققها، وحصولها على المبدإ على سنة الأمر والإبداع، لعدم الباعث على الامساك والتعطيل، واستحالة تحقق المضاد المدافع للجود، المانع عن الخير والافاضة، فيصدر منه الأشرف فالأشرف، فالترتيب المعنوي فيها، يقتضي أن يكون كل ما هو أقرب إلى عالم الصور، والقشور، والأجسام فهو أبعد من الحقيقة الأحدية، والهوية الصمدية، لأن تلك الحقيقة حقيقة الحقائق، ومعنى المعاني كلها.
فأول ما صدر منه، أو تجلى له، أو ظهر فيه - على اختلاف ا لاعتبارات والاصطلاحات - هي العين الواحدة المسمى عند بعضهم بالعقل الأول، المعبر عنه بالحقيقة المحمدية، والاسم الأعظم، والعقل الكلي، وعالم العقول.
ناپیژندل شوی مخ