تفسیر صدر المتألهین
تفسير صدر المتألهين
أما الملائكة المقربون، فلا حاجة لهم إلى الاستكمال والحركة نحو الكمال، لأنهم دائمي القرب والوصول إلى معبودهم الأعلى - جل ذكره -.
وأما الملائكة السماوية، فلكل منهم مقام في العبودية الدائمة، لا باعث لهم في الخروج عما هم عليه، لدوام إشراقاتهم المتوالية، وقوة حالاتهم، ووفور ابتهاجاتهم ولذاتهم، كأحوال أهل الجنة في طبقاتهم، ومنازلهم، ومقاماتهم.
وأما الشياطين، فلقوة ناريتهم، ورسوخ أنانيتهم، وحب رياستهم، لم ينقادوا للعبودية والانكسار، ولم يتغيروا عما فطروا عليه من الاستكبار والافتخار.
ويقرب من حالهم أحوال الجن، وإن كان بعض منهم أخيارا مسلمين، إلا أنهم كلهم مخلوقون من النار، والنار أقوى العناصر وأبعدها عن قبول التأثير.
وأما الجمادات التي ليست واقعة في حدود المادة الإنسانية، فهي إما قوية الجمادية كالأحجار واليواقيت فلصلابتها لا تنقلب إلى غيرها. وإما أن تكون ملائم الجوهر لصورة أخرى، لكنها ما قبلت صورة صلبة فوقفت عندها، فهي صعب الانقلاب إلى غيرها، وكذا الحكم في سائر النباتات والحيوانات.
وأما الإنسان الذي خلق لبلوغ النهاية فهو أبدا في الحركة والرجوع والإنابة والسلوك، لكونه ما بين صرافة القوة، ومحوضة الفعلية.
والعجب أن الذين فضلوا الملائكة على الإنسان - كالصابئة وغيرهم - جعلوا اشتمال الإنسان على القوة والنقصان، منشأ انحطاط درجته عن درجة الملائكة، وهذه الصفة بعينها تصير منشأ لأن يتفضل عليهم، ويتجاوز عن مراتبهم.
الأصل السابع: إن كل ما يتعلق بالبدن سواء كان صورة، أو نفسا حيوانية، أو إنسانية، أو فلكية، بالقوة والاستعداد، محتاج إلى جوهر عاقل يكمله ويخرجه من القوة إلى الفعل، وكماله عبارة عن صيرورته عقلا، وعاقلا بالفعل، ومعقولا بالفعل، وكلما صار عقلا بالفعل يصير كل الموجودات.
لأن كل موجود من شأنه أن يعقل، فهو إما بتغير من جانب المعقول، كالصور المادية المعقولة بالقوة، المحتاجة في أن يصير معقولة بالفعل إلى مغير يغيرها، ومجرد يجردها وينتزعها من المادة. وإما بتغير من جانب العاقل إذا صار عاقلا بالقوة، فيحتاج إلى حركات فكرية يسافر من بعض الصور الخيالية إلى بعض، حتى ينتهي إلى العقول الصريحة، كالعقول القادسة وما فوقها.
فكل ما هو كامل بالفعل، لزمه أن لا يخلو عنه شيء من المعقولات، بل يجب أن يكون عقلا بسيطا هو صورة الكل في وحدة. ومثل هذا الموجود يجب أن يكون مكملا للنفوس.
ناپیژندل شوی مخ