Sheikh Abdul Hay Yusuf's Lessons
دروس الشيخ عبد الحي يوسف
تفسير قوله تعالى (فصل لربك وانحر)
قوله تعالى: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾ [الكوثر:٢] الأمر للنبي ﷺ والأمة له تبع، وفي الآية إظهار في مقام الإضمار، قال تعالى: «إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ»، فالمعطي هو الله ﷻ، وفي غير القرآن يمكن أن يقال: فصل له وانحر، لكن قال: «فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾، والإتيان بالاسم الظاهر مقام الاسم المضمر من أجل الإشعار بأنه ﷻ مستحق للعبادة؛ لكونه يربي الناس بنعمه لكون عطائه وإفضاله متواصلًا، ثم أضيف الاسم الظاهر لضمير المخاطب: «فَصَلِّ لِرَبِّكَ»، وهذا تشريف للرسول ﷺ كما في قوله تعالى: ﴿فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ﴾ [قريش:٣]، وهو رب البيوت كلها، فالله ﷿ هو رب محمد ﷺ ورب الناس جميعًا، ففي هذا تشريف للنبي ﷺ، وإيماء إلى أنه يربيه ويرعاه ويحوطه ويكلؤه صلوات الله وسلامه عليه.
ومن عجائب التفسير أنَّ بعض المفسرين قال في قوله تعالى: «فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ»، المراد بالنحر وضع اليمنى على اليسرى في الصلاة، وهذا تفسير بعيد، ففي الآية ترتيب وهو الصلاة ثم النحر ورسول الله ﷺ رتب ذلك فقال: (إنَّ أول ما نبدأ به يومنا هذا -يوم العيد- أن نغدو فنصلي ثم نرجع فننحر نسكنا، فمن فعل فقد أصاب سنتنا، ومن ذبح قبل ذلك فإنما شاته شاة لحم ليست من النسك في شيء)، واتفق أهل العلم على أن من ذبح قبل الصلاة فذبيحته غير مجزئه، لأن الرسول ﷺ لما كان في طريقه للمصلى شم ريح شواء، فقال: (ما هذا؟ قالوا: أبو بردة -أحد الصحابة- ذبح فالرسول ﷺ استدعاه، قال له: ما هذا؟ قال: يا رسول الله! اشتهيت اللحم، فقال النبي ﷺ: اذبح مكانها أخرى) أي: فهذه الذبيحة لا تنفع، لأن الله ﷿ رتب بينهما فقال: «فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ»، وفي سورة الأعلى قال: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى * وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى﴾ [الأعلى:١٤ - ١٥]، فزكاة الفطر قبل صلاة العيد، أما في سورة الكوثر فصلاة العيد قبل النحر: «فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ».
23 / 29