الإستدلال فقال: بل هو دليل على نجاستها؛ لأنه لو كانت خمر الدنيا، والآخرة متساويتين لما قال: ﴿وَسَقَاهُمْ رَبُّهُمْ شَرَابًا طَهُورًا﴾ فلما كانت خمرة الدنيا نجسة وصف خمر الآخرة بعكسها، كما أنه لما كانت خمرة الدنيا تصدّع الرأسَ، وصف خمرة الآخرة بضدّها فقال سبحانه: ﴿لَا يُصَدَّعُونَ عَنْهَا وَلَا يُنْزِفُونَ﴾ فصار الإستدلال بهذه الآية مقلوبًا، حيث دلَّ على نجاسة الخمر، لا على طهارتها.
وإذا ثبت أن الخمر نجسة فإنها إذا إِستحالت، وصارت خَلًا فلا تخلو تلك الإستحالة من حالتين:
الحالة الأولى: أن تتخلّل بنفسها.
الحالة الثانية: أن تتخلّل بفعل المكلّف.
فإن تخلّلت بنفسها؛ فإنها تطهر؛ لدليل الشرع كما في الصحيح من حديث مسلم أن النبي ﷺ قال: [نِعْمَ الإِدَامُ الخلُّ] فأثنى عليه، والثناء يدلُّ على الإباحة، فأجاز لك أن تأتدم بالخل، والخل: أصله خمر، إذا ثبت هذا، فإنها إذا تخلّلت بنفسها طَهُرَتْ على ظاهر هذا الحديث.
فقد يقول قائل: إن النبي ﷺ أثنى على الخلّ مطلقًا، سواء تخلّل بنفسه، أو تخلّل بفعل المكلف؛ فجوابه ما رواه أحمد، وأبو داود أنّ النبي ﷺ: [نهى عَن تَخلِيلِ الخمْرِ]، وذلك لما سئل عن تخليلها، وقال: " لا " وأمر أبا طلحة في خمر الأيتام أن يُريقَ الخمر، ويَكْسِر الدِّنَّان وهي أوعية الخمر، ومعلوم أن هذا مال أيتام، فلو كانت الخمر تتخلّل بفعل المكلف لقال له: خَلّلْهَا؛ لأنه مال يتيم يُحفظ، ولا يُراق إذا أمكن استصلاحه، وبهذا يزول