396

Explanation of Riyadh al-Salihin

شرح رياض الصالحين

سیمې
مصر
شدة جوع النبي وأصحابه في الخندق
من الأحاديث في هذا الباب حديث جابر بن عبد الله ﵁، وأنا تركت حديثًا قبل هذا الحديث، وسنده ضعيف، وهو: (كان كم قميص رسول الله ﷺ إلى الرسغ)، فإسناده ضعيف.
وأما حديثنا فهو حديث جابر ﵁ قال: (إنا كنا يوم الخندق نحفر، فعرضت كدية شديدة، فجاءوا إلى النبي ﷺ فقالوا: هذه كدية عرضت في الخندق).
وهذا يوم الخندق في غزوة الأحزاب سنة خمس من الهجرة، وذلك عندما جاء الأحزاب من قريش ومن أتى معهم؛ ليحاربوا المسلمين في المدينة، والمسلمون قد تعلموا من يوم أحد أنه لا بد من الطاعة، وأنه يكفي ما حصل يوم أحد، فلا بد أن نسمع كلام النبي ﷺ، وقد كانوا في يوم أحد أصروا على الخروج، وقالوا: نخرج كما خرجنا في بدر، فخرجوا فهزموا لما عصوا النبي ﷺ، فكانت الهزيمة درسًا في الأدب والطاعة له ﵊.
فهنا في يوم الخندق استشارهم النبي ﷺ؛ فكان من مشورة بعض الصحابة أن يحفروا خندقًا حول المدينة، فالنبي ﷺ خرج بنفسه معهم لحفر هذا الخندق، فعرض حجر ضخم صلب، أو قطعة غليظة صلبة من الأرض، والفأس لا يعمل فيها شيئًا، فما قدروا على الحفر، فسيبقى هذا المكان الذي يمكن دخول خيول المشركين وعبورها منه إلى داخل المدينة.
فهنا لجئوا إلى النبي ﷺ فقالوا: (هذه كدية عرضت في الخندق، فقال: أنا نازل، ثم قام وبطنه معصوب بحجر)، قام وهو جائع ﷺ، والمسلمون جياع، ونزل وما تعلل ولا قال: أنا جائع، بل نزل.
قال جابر: (ولبثنا ثلاثة أيام لا نذوق ذواقًا، فأخذ النبي ﷺ المعول فضرب فعاد كثيبًا أهيل أو أهيم)، يعني: ضرب الحجر ضربةً، فتكسر، وبعد أن كان صلبًا صار رمالًا، أو كثيبًا أهيل.
قال: (فقلت: يا رسول الله! ائذن لي إلى البيت)، أي: أن راوي الحديث جابر بن عبد الله ﵄ صَعُب عليه حال النبي ﷺ، عندما قام يحفر ويكسِّر هذه الصخرة الضخمة، وهو وعاصب بطنه من شدة الجوع، فاستأذن ليبحث في بيته عن شيء يطعم به النبي ﷺ.
(قال: فقلت لامرأتي: رأيت بالنبي ﷺ شيئًا ما في ذلك صبر، فعندك شيء؟)، يعني: لا أقدر أن أصبر وأنا أرى النبي ﷺ على هذه الحالة، فعل عندك أي شيء للنبي ﷺ؟ (قالت: عندي شعير وعناق)، عناق أي: معزة، وكانت المعزة التي يشربون لبنها ولا يوجد غيرها، وكان عندها شعير، فقال لها: اصنعي طعامًا للنبي ﷺ.
قال (فذبحت العناق، وطحنت الشعير، حتى جعلنا اللحم في البرمة، ثم جئت النبي ﷺ، والعجين قد انكسر)، أي: أن العجين قد أصبح جاهزًا لأن يدخل في الفرن، قال: (والبرمة بين الأثافي قد كادت تنضج).
والبرمة: هي القدر الذي فيه اللحم.
والأثافي: جمع أثفية، وهي حجارة توضع تحت القدر عندما يوقد عليه النار، وكانوا متعودين إذا أرادوا أن يطبخوا أن يأتوا بثلاث أحجار، يقال لها: أثافي كانوا يضعونها تحت القدر، فإذا لم يجدوا إلا حجرين وضعوهما إلى جنب الجبل، حتى يصير الجبل مكان الحجر الثالثة، وهذه هي التي يسمونها ثالثة الأثافي، كما هي معروفة في اللغة، وقولهم: رماه بثالثة الأثافي، أي: القطعة من الجبل كأنه يقول: رماني بداهية كالجبل.
قال جابر: (قلت: طعيم لي)، يعني: أعددت أكلة يسيرة فتعال وكل، وكان يخاف أن يسمع الناس، فيظنوه طعامًا كثيرًا، ولم يكونوا بخلاءً رضوان الله ﵎ عليهم، ولكن الطعام قليل في نظره، فلو جاء عدد كبير فقد لا يبقى للنبي ﷺ شيء.

36 / 11