شرح ما بعد الطبیعة
شرح ما بعد الطبيعة
قال ارسطو فاما ان جواهر وان منها شيئا اول وثان على قدر مراتب حركات الكواكب فبين واما كثرة الحركات فينبغى ان نستدل عليها من الفلسفة الخاصية للعلوم التعاليمية من القول على حركات الكواكب فان هذه تستعمل الراى فى جوهر محسوس الا انه سرمدى واما الاخر فليست تستعمل الرأى فى جوهر البتة كالتى فى الاعداد والتى فى المساحة واما ان حركات المتحيرة كثيرة فبين وللذين نظروا نظرا يسيرا لان كل واحد من الكواكب المتحيرة يرى انه يتحرك اكثر من حركة واحدة التفسير يريد فاما انه قد تبين من هذا القول ان هاهنا جواهر ازلية اكثر من واحد وان فيها اول وهو محرك الكل وثان وثالث ورابع بحسب مراتب الافلاك من الفلك الاول المكوكب فبين ايضا وهذا الذى قاله ظاهر مما تقدم من قوله اما تقدم محرك الكل لجميعها فبين جدا مقطوع به وذلك انها كلها تؤم هذه الحركة العظمى وتتبعها فهو متقدم على جميعها بالطبع وهو متقدم ايضا بالموضع ومتقدم بالعظم اعنى ان تقدمه يظهر من قبل تقدم المتحرك عنه فى الموضع وفى العظم وفى كثرة الكواكب وفى سرعة الحركة وهذه كلها تعطى تقدمه عليها بالشرف والجوهر واما ان ترتيب هولاء المحركين من المحرك الاول يجب ان يكون بحسب ترتيب افلاكها فى المكان فظاهر ايضا وذلك ان تقدمها فى الموضع والعظم يقتضى تفاضلها بالشرف لاكن نجدها فى سرعة الحركة بالعكس اعنى ما كان اقرب الى الارض منها فهو أسرع حركة فيمكن ان يكون ذلك بحسب شرف محركيها ويمكن ان يكون ذلك بحسب صغر اجرامها واما الشمس فيظهر من امرها بحسب عظمها وبحسب عظم فعلها فى الموجودات وبحسب ما يظهر من ان سائر حركات المتحيرة مرتبة بحسب حركات الشمس وتابعة لها فقد يظن ان محرك الشمس هو المتقدم عليها لاكن السرعة التى فى هذه كما قلنا يمكن ان تكون من قبل شرف جواهرها المحركة ويمكن ان يكون ذلك من قبل صغر اجرامها وقد يمكن ان يوقف على تقدم بعضها على بعض فى الشرف مما اثبت القدماء الذين عنوا بافعالها فى الموجودات لكوكب كوكب من الافعال مثل اثباتهم للشمس الحياة واثباتهم لزحل الجمادية فترتيبها من الاول مقطوع به واما ترتيبها بعضها من بعض فغير مقطوع به ولعل الاخلق هو ما ذهب اليه ارسطو ان يكون ترتيبها بحسب ترتيبها فى الموضع واما ما قاله المتاخرون من ان هاهنا جوهرا اول هو اقدم من محرك الكل فهو قول باطل وذلك ان كل جوهر من هذه الجواهر فهو مبدا للجوهر المحسوس على انه محرك وعلى انه غاية ولذلك ما يقول ارسطو انه لو كانت هاهنا جواهر لا تحرك لكان فعلها باطلا واما الذى حركهم الى هذا الظن فهو قياس يقف على فساده من ارتاض ادنى ارتياض فى هذا العلم وذلك انهم قالوا يظهر من امر هذه العقول ان بعضها لازم لبعض على جهة ما يلزم المعلول عن العلة والمسبب عن السبب والجوهر الاول يجب ان يكون واحدا فى الغاية وبسيطا فى الغاية والواحد والبسيط لا يصدر عنه او لا يلزم عنه الا واحد ومحرك السماء الاول لزم عنه نفس السماء الاول ومحرك الفلك الذى يليه فواجب ان يكون غير بسيط فله علة هى اقدم منه وهذا القول هو موهم وذلك انه ليس هنالك صدور ولا لزوم ولا فعل حتى نقول ان الفعل الواحد يلزم ان يكون عن فاعل واحد وانما هنالك علة ومعلول على جهة ما نقول ان المعقول هو علة العاقل واذا كان ذلك كذلك فليس يمتنع فيما هو بذاته عقل ومعقول ان يكون علة لموجودات شتى من جهة ما يعقل منه انحاء شتى وذلك اذا كانت تلك العقول تتصور منه انحاء مختلفة من التصور فما يتصور اذا من المحرك الاول محرك جرم السماء وهو العلة فى نفس السماء غير ما يتصور منه محرك فلك زحل مثلا وكذلك الامر فى واحد واحد منها اعنى ان كل واحد منها كماله هو فى تصور علته التى تخصه وتصور العلة الاولى وبهذا صارت حركاتها كلها تؤم شيئا واحدا وهو النظام الموجود لكل وكذلك ينبغى ان نفهم الامر فى كثرة الحركات التى توجد لكوكب كوكب اعنى انه يجب ان تكون كلها مرتبطة بحركة الكوكب وكل محرك فيها يستكمل بتصوره المحرك الاول الخاص لذلك الكوكب ولذلك صارت حركات كل كوكب منها تؤم حركة واحدة وهى حركة الكوكب نفسه وكذلك ينبغى ان نفهم ان حركات سائر الافلاك تؤم حركة الفلك المكوكب نفسه وان كمال كل واحد من المحركين لواحد واحد منها اعنى المحرك الاول لفلك فلك يستكمل بالمحرك الاول للجميع ولذلك صار جميعها تؤم هذه الحركة اعنى اليومية التى هى فعل المحرك الاول ومبدا سائر افعالها وذلك انه يظهر ان سائر حركاتها الخاصية من هذه الجهة هى من اجل هذه الحركة وتابعة لها ومعينة فى النظام الذى تؤمه وهى مبدا افعالها وقد يمكن ان يقال انه ان كانت حركات الافلاك كلها تؤم فعلا واحدا ونظاما واحدا مشتركا لجميعها فواجب ان يكون لها صورة واحدة معقولة خارجة عن الصورة التى يؤم كل فلك منها اعنى الصورة الخاصة به فيكون هاهنا صورة كالغاية زائدة على الصورة التى يتحرك نحوها فلك فلك من سائر الافلاك فنقول انه ليس هاهنا صورة كالغاية المشتركة والكلية الا ما كان لها منها فعل مشترك وهذه هى حال الصورة التى تحرك السماء الاولى الحركة اليومية وذلك ان الحال فى تعاون الاجرام السماوية فى تخليق ما هاهنا من الموجودات وحفظها كالحال فى ذوى السياسات الفاضلة الذين يتعاونون على سياسة مدنية فاضلة واحدة بان يقتدون فى افعالهم بما يفعله الرئيس الاول اعنى انهم يجعلون افعالهم تابعة وخادمة لفعل الرئيس الاول فكما ان الرئيس الاول فى المدن لا بد له من فعل خاص به وهو اشرف الافعال والا كان عطلا وباطلا وهذا الفعل هو الذى يؤمه بافعاله كل من دون الرئيس الاول فانه كما انه لا بد فى هذه الرئاسات من رئاسة اولى كذلك لا بد فى افعال الرؤساء من فعل اول وكذلك يعرض الامر فى الصنائع التى تتعاون نحو مصنوع واحد وهى التى بعضها مرتئسة على بعض وترتقى كلها الى صناعة واحدة مثل كثير من الصنائع الخادمة لصناعة الفروسية فعلى هذا ينبغى ان يفهم الحال فى هذه الاجسام مع صورها المعقولة التى تحركها وحال هذه الصور بعضها مع بعض فانه اشبه بالصنائع التى تخدم بعضها بعضا والتى تعقل بعضها من بعض هى مبادئها التى ياخذ منها العقل الذى يخصها مثال ذلك ان صناعة اللجم انما تاخذ مبادئها العملية من صاحب صناعة الفروسية وكذلك سائر الصنائع الخادمة لهذه الصناعة وانما الفرق بين هذه الاشياء وبين الامور الصناعية ان صور الصناعة المحركة للصناع هى فى مواد وهذه ليست فى مواد واما ما جرت به العادة من اهل زماننا بان يقال ان المحرك الكذا صدر عنه محرك الكذا او فاض عنه او لزم او ما اشبه هذه الالفاظ فشئ لا يصح مفهومه على هذه المبادى المفارقة فان هذه كلها من صفات الفاعلين فى بادئ الرأى لا فى الحقيقة فان الفاعل قد تقدم من قولنا انه ليس يصدر عنه شئ الا اخراج ما بالقوة الى الفعل وليس هاهنا قوة ولذلك ليس هناك فاعل وانما ثم عقل ومعقول ومستكمل ومستكمل به على الحال الذى تستكمل الصنائع بعضها ببعض وذلك بان تاخذ بعضها مبادئها من بعض وترجع كلها فيما تتعاطاه من ذلك الى ان تاخذ جميع مبادئها من الصناعة الكلية المحيطة بها ولذلك ما نرى ان العلم الاخص بالاول سبحانه هو ما احتوت عليه الفلسفة الاولى والعلم الخاص بما دونه من المبادى هو شبيه بالعلوم الجزئية التى تحت الفلسفة الاولى وهذا شئ قد صرح به نيقلاوش المشاء فى كتابه فيما بعد الطبيعة ولذلك ما نرى ان بحصول هذا العلم للانسان يوجد الانسان على اتم وجوده وانه افضل افعاله لانه الفعل الذى يشارك فيه افضل الموجودات وما يقال عن افلاطون فى لغزه ان البارئ تولى خلق الملائكة بيده ثم وكلهم بخلق الحيوانات المائتة وبقى هو مستريحا لا فعل له فلغز لا يصح انزاله على الحق ويشبه ان يكون ظن هذا المعنى بالبارئ هو علة السبت المفروض فى شريعة بنى اسرائيل وهذا الذى قلناه فى محركى سائر الافلاك يصح ايضا فى جماعة المحركين المتعاونين على حركة كوكب كوكب من الكواكب المتحيرة اعنى ان كل جماعة ترجع الى محرك اول وانها تؤم بحركاتها كلها الحركة التى محركها ذلك المحرك الاول واذ قد تقرر هذا فلنرجع الى ما كنا بسبيله فنقول انه لما كان صاحب هذا العلم ياخذ اعداد المحركات من صاحب علم الهيئة كما ناخذ وجود هذه المبادى من صاحب العلم الطبيعى ذكر ذلك فقال فاما كثرة الحركات فينبغى ان نستدل عليها من الفلسفة الخاصية للعلوم التعاليمية من القول على حركات النجوم يريد فاما عدد المحركات فينبغى لصاحب هذا العلم ان يتسلم عددها من العلم التعاليمى الخاص جدا بهذا العلم الذى هو الفلسفة الاولى وهو علم الهيئة وذلك مما يثبته من عدد الحركات لا من غير ذلك مما يحتوى عليه ثم اتا بالسبب الذى من قبله كان هذا العلم من علوم التعاليم هو المختص بهذا العلم فقال فان هذه تستعمل الرأى فى جوهر محسوس الا انه سرمدى واما الاخر فليست تستعمل الرأى فى جوهر البتة كالتى فى الاعداد والتى فى المساحة يريد وانما اختصت هذه الصناعة بهذا المعنى من بين سائر التعاليم لانها تنظر فى جواهر ازلية محسوسة واما سائر علوم التعاليم فتنظر فى اعراض مثل صناعة العدد وصناعة الهندسة ثم قال واما ان حركات المتحيرة كثيرة فبين للذين نظروا نظرا يسيرا لان كل واحد من الكواكب المتحيرة يرى انه يتحرك اكثر من حركة واحدة يريد انه من المدرك بالحس ان لهذه الكواكب حركات كثيرة وذلك انه يظهر لمن نظر فى صناعة التعاليم نظرا يسيرا ان لكل واحد من الكواكب المتحيرة اكثر من حركة واحدة وينبغى ان تعلم ان هذه الحركات التى يثبتها اصحاب هذا العلم على ثلثة اصناف منها ما هى مدركة للجمهور وهى المدركة بحس البصر ومنها ما لا تدرك حركاتها الا بالارصاد فى الات معلومة وهذه منها ما تدرك فى ازمنة طويلة تفوق الاعمار الانسانية ومنها ما تدرك فى ازمنة قصيرة والصنف الثالث هى حركات مثبتة بالقياس وذلك ان كثيرا مما يظهر من هذه الحركات تظهر بسيطة بحس البصر فاذا نظر فيها بحسب ما تقتضيه الاصول الطبيعية لزم ان يعتقد فيها انها مركبة من اكثر من حركة واحدة وذلك ان هذه الصناعة النجومية الناظرة فى حركات الكواكب ليس تضع من الهيآت التى تجرى لنا مجرى الاسباب الا ما ليس يلحق من وضعه محال فى العلم الطبيعى مثال ذلك ان الكواكب المتحيرة يظهر من امرها انها تسرع مرة ومرة تبطئ وانها مرة تستقيم ومرة ترجع وهذا لا يصح على ما تقتضيه طبائع حركات الاجرام السماوية يعنى انه قد تبين فى العلم الطبيعى ان حركاتها كلها مستوية وانه ليس يمكن فيها السرعة والابطاء وكذلك يرى انه ليس يمكن فيها استقامة ولا رجوع فوجب على صاحب علم النجوم لمكان هذا ان يضع هيئة يلزم عنها هذه الاحوال الظاهرة من غير ان يلزم عن ذلك محال فى العلم الطبيعى وذلك لا يتفق الا بوجهين اما ان تكون تلك الحركة التى تظهر مرة مسرعة ومرة مبطئة ومرة مقبلة ومرة مدبرة هى مركبة ومؤلفة من حركات كثيرة او يكون ايضا هنالك افلاك خارجة المراكز عن مركز العالم وهى التى يخصها الحدث من التعاليميين بالافلاك الخارجة المراكز وافلاك التداوير فلمكان هذا اختلف المنجمون فى عدد حركات الكواكب وكثيرا ما يخرجون بالرصد مدد حركات الكواكب فاذا حسبوها اقتضى لهم ذلك الحسبان ان تكون فى مواضع محدودة من فلك البروج فاذا رصدوها بالات وجدوها فى غير تلك المواضع فاقتضى لهم ذلك تجديد حركة لذلك الكوكب وبهذا الوجه اثبت بطلميوس حركات كثيرة للقمر ولسائر الكواكب لم يثبتها من قبله مثل الحركة التى يسميها بطلميوس حركة المحاذاة للقمر وحركة الاقطار لافلاك التداوير التى يضعونها للمتحيرة وهذه الحركات لم يقدر هذا الرجل ان يضع لها هيئة وكذلك ما ظهر له ايضا من ان حركات الكواكب المتحيرة فى افلاكها الخارجة المركز المستوية تتحرك على مراكز غير مراكز الافلاك الخارجة لم يقدر ان يضع لذلك هيئة على اصوله التى عول عليها وهى فى فلك التدوير الخارج وهذا كله ظاهر لمن ارتاض ادنى ارتياض بعلم الهيئة
[45] Textus/Commentum
مخ ۱۶۵۷